مجزرة باريس تختطف مليار مسلم

مجزرة باريس تختطف مليار مسلم
القصص | 08 يناير 2015

دخلت مجموعة من القتلة إلى مبنى مجلة "شارلي هيبدو" الفرنسية الساخرة في باريس وقتلوا 12 إنساناً بدم بارد. بينهم رجلان من الشرطة وأربعة رسامي كاريكاتير، والبقية عمال وصحفيون في المجلة.

كان واضحاً أنه تم الترصد والتخطيط لقتل أكبر عدد من إدراة تحرير المجلة وكانت الجريمة باسم الإسلام والدفاع عن النبي.

هذه مجزرة لها أبعاد عديدة. هي جريمة فكرية أيديولوجية دينية تستهدف كتاباً وفنانين وقد تمت باسم أمة بأكملها.  

لا يوجد ما يبرر قتل كتاب ورسامين بغض النظر عما كتبوه وفعلوه. عندما تحدث جريمة قتل بحق أناس لم يمسوا إنساناً بأذية جسدية فعلينا أن نتخذ موقفاً واضحاً. بعدها يمكن التحدث عن حيثيات وإشكاليات وسياق الحدث وما قام به الضحايا. لكن حالياً لا يمكن السكوت عن إرهاب يرتكب باسمنا جميعاً دون أن يكون واضحاً من يمثلنا. الميكرفون مسروق منا من قبل رعاع لا يعرفون إلا القتل كحلّ.

اختطفت حفنة من قطاع الطرق سمعة وتاريخ مسلمي الأرض، فصار الإسلام كله بتاريخه الغني والمتراكم من أزمنة وأمكنة وتوجهات متعددة وطبقات من أركيولوجيا المدارس والمذاهب والكتابات والمخطوطات تُختصر بوجه مقنع وخنجر يقطر دم، ومسدس موجه لإنسان يتوسل لحياته على الطريق. ورغم تداخل التاريخ الاستعماري وإشكالات الشمال والجنوب وقضايا الاستبداد في كل ما يحيط بالإسلام حالياً إلا أننا مسؤولون أمام التاريخ وأمام أنفسنا وأمام الله من أجل اتخاذ موقف حازم ضد القتل باسمنا.

الغريب أن الإسلام جاء في عصر الانفلات القبلي والغزوات والإرهاب بين القبائل العربية في الجزيرة العربية. ونجح في وضع أساس دولة مركزية ترتكز لسيادة القانون، وفي تأطير نظام سياسي قانوني يخرج القانون بمفهومه القبلي البسيط من تقبيل شوارب وتطييب خواطر، وحروب ثأر واغتيالات.

ولكن الأغرب أن الإسلام المعاصر في سلوكياته وقيمه أقرب لذلك النموذج القبلي المنفلت، يمثله حفنة من الإرهابيين الذين اختطفوا طائرة بحجم أمة يركب فيها مليار إنسان.

لكن لم هذا الصمت؟

هناك شعور عميق عند الشعوب والبسطاء من الناس بأن إسلامنا ليس بهذه البشاعة ولكن ليست بأيديهم الحجج والبراهين والأدوات لرفع صوتهم. والطامة الكبرى أن من عندهم الأدوات لتفكيك القباحات والفيروسات التي تفرخ هذه الأمراض هم في أغلبيتهم من يمنع أي عملية تعقيم وتنظيف ويقفون ضد أي محاولة لإنعاش المريض من الغيبوبة العقلية.

 في عصر اتفقت فيه شعوب الأرض قاطبة على حرية المعتقد وحرية التعبير يقف الإسلام بخطابه الرسمي عائقاً لحرية الفكر والمعتقد. المحزن أن حرية العقيدة من العرى الوثقى التي لا انفصام لها في القرآن. وهي واضحة في آية "لا إكراه في الدين" ولم تكن مصادفة أنها جاءت مباشرة بعد آية الكرسي. لكن كما استطاع المسلمون تعظيم آية الكرسي والتغافل عن آية اللاإكراه، فقد استطاع الخطاب الإسلامي المعاصر أن يتظاهر بالتصالح مع الحداثة وهو يضمر العداء لها. ورغم كل الترقيعات والتوفيقات التي حدثت خلال العقود الماضية فإن المسلمين لم يواجهوا حقيقة استعصائهم الديني والأخلاقي. وهنا لا أتحدث فقط عن الخطاب الديني وإنما عن الوضع الثقافي في المنطقة كلها والتي تمسكت بالفكر القبلي والقتل كأدوات لحل أي اختلاف ونزاع.

رغم أن الجميع بصم بالعشرة على معاهدة حقوق الإنسان الأممية إلا أننا في المنطقة العربية بصمنا بنفاق وابتسامة صفراء على هذه المواثيق. فقد وقعها الحاكم العربي وهو يخفي السوط والدبابة وراء ذمته الواسعة ووافق عليها رجل الدين وهو يخفي السيف والبرقع وراء أعمدة طويلة من الكتب الصفراء، وهناك بعيداً وقف المواطنون والمواطنات ولم يهتم أحد باستشارتهم، لا الجبت استشارهم ولا الطاغوت. وكان تحريم الحرية هو الاتفاق الضمني بين الكهنوت الديني والساسة.

سابقاً لما ظهرت الرسومات المسيئة للرسول طالبني البعض بالقيام بشيء ما. وأنا رفضت المشاركة كلياً. لما سألوني عن برودي قلت لهم: لأني سأكون بنفس البرود لو طالبتموني بالخروج للتظاهر من أجل حق المطر بالنزول أو لدعم الجوري بنشر عطره أو حماية حق الشمس في الشروق. قلت لهم إن الحق لا يحتاج لدفاع، بل الحق يدافع عنا، وحبنا للنبي يكون بأن نسمو بأخلاقنا وسلوكنا في الزمان والمكان الذي نحن فيه بطريقة تحيي ذكراه العطرة ومآثره وليس بأذية الخلائق. وها نحن أولاء اليوم نرى الأمر وصل لمجرزة. يا حيف!

عجباً لمن يريدون الدفاع بالأذية عن رجل لم يضرب في حياته إنساناً أو حيواناً وكان كريماً متواضعاً يغسل أوانيه ويخيط ثوبه. إن الورد لن يتوقف عن التفتح ولن ينتظر المطر أحداً. وإن النور الذي أدخله الأنبياء والصالحون في رحلة الوعي البشري لن يستطيع ظلام الحقد ورصاص الجهل أن يخفف من وهجه.

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتابها، ولا تعبّر عن وجهة نظر "روزنة".

*تم نشر هذا المقال بموجب اتفاقية الشراكة بين روزنة وهنا صوتك.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق