لجان الدفاع الوطني وإعادة إنتاج النظام الأمني والعسكري

لجان الدفاع الوطني وإعادة إنتاج النظام الأمني والعسكري
القصص | 25 ديسمبر 2014

منذ بداية الحراك الثوري في سوريا، واجه النظام الحراك بكل وسائل العنف والتهديد، إحدى هذه الوسائل كانت إجبار الموظفين في الدوائر الحكومية على الدوام أيام الجمع والنزول إلى الشارع بأيديهم العصا، وبحماية عناصر أمنية مسلحة، يقومون بضرب المتظاهرين وتفريقهم، لإثارة الخوف والفتنة بين المواطنين وإظهار هذا الفعل على أنه عمل طوعي. وإن الشعب يقف في صف النظام.
 إضافة إلى بروز عناصر مرتزقة من الشبيحة، قاموا بقمع المتظاهرين وتخويف المعارضين مؤلفة من مجموعات مرتبطة مباشرة بمراكز وشخصيات من السلطة الأمنية أو السياسية أو الاقتصادية, انتشرت الظاهرة في مختلف المدن السورية وإن كان مركز قوتها ومنشئها  الساحل السوري، حيث لعبوا دوراً بارزاً في قمع الثائرين في بانياس وريفها، ومحاصرة الناشطين المعارضين في مدن الساحل. ومع تقدم الصراع وظهور الجيش الحر ومن ثم سيطرته على بلدات ومدن ومناطق، واجهه النظام بالعنف السافر المكشوف، التي دفعت إلى هجرة المواطنين من منازلهم بعد تدميرها، ونتيجة الخوف الذي انتشر بين المواطنين، بسبب سياسة النظام على أنه يلاحق التكفيريين، وإن وجودهم في منطقة يعني تدميرها ونهبها وتشريد سكانها، وبعد تشتت جهود جيش النظام وعناصره الأمنية، وعدم قدرته على حماية المناطق الخاضعة لسيطرته. أخذ النظام في الترويج للجان الدفاع الوطني، وإعطائها سلطة حماية المناطق والأحياء والأرياف، خاصة في المناطق والأرياف التي لا يوجد فيها مراكز أمنية وجيش، هذه الفكرة استحوذت على تعاطف السكان نتيجة خوفهم حيث تطوعت أعداداً كبيرة من الشبان، على أساس حماية أملاكهم وأرواحهم حتى الأهالي كانوا يقدمون لهم دهماً مادياً. لحماية مناطقهم من غزو المتشددين والإرهابيين وفق رواية النظام. استغل النظام نزعة ريفية عند الأهالي من عدم الرغبة في وجود غرباء في مناطقهم، حتى لو كانوا من رجال السلطة.
 لم تكن ظاهرة اللجان في البداية واضحة المعالم، لكن مع عسكرة المجتمع، اعتمدت السلطة سياسة تشجيع الانضمام إلى اللجان بعد تكليف شخصيات مقربة من رأس النظام  وصل أغلبهم بسرعة إلى مراكز في السلطة لاعتبارات مناطقية وطائفية، على أنهم مقبولين لدى مراجع متعددة في مناطقهم، مهمتهم إحكام ربط المناطق بالنظام، وضعت السلطة تحت يدهم الموارد والأموال وعملوا على التعبئة والتشجيع للانضمام إلى صفوف اللجان والإشراف عليها وتنظيم عملها  وتقديم السلاح اللازم والرواتب المشجعة. وهكذا تم ربط هذه اللجان بمراكز السلطة العليا. وأصبحت لها مقراتها وزعامات تحت راية الدفاع عن المنطقة، ثم توسعت إلى الأحياء في المدن.  توسعت اللجان وأصبح لكل من الأحزاب الموالية للسلطة لجانها ومسلحيها كنائب البعث وكتائب للقوميين السوريين لكن مضبوطة وممولة من جهات معروفة في مراكز للنظام، مهمتها الدفاع عن النظام.
كان اللافت منذ ولادة اللجان أن المنتمين إلى صفوفها، معظمهم عاطلين عن العمل، ذو كفاءات علمية متدنية، حتى يمكننا القول أن الانضمام إلى صفوف اللجان كانت فرصة عمل، حتى كان من الصعب على الكثير منهم قبوله في قوى الجيش والأمن، قبل الأزمة.  وما إن توسعت اللجان حتى أصبح أقساماً منها تابعة للمؤسسات الأمنية قوى جوية، موظفين لديها يقبضون رواتبهم منها، ويأتمرون بأوامرها. ومع تنوع الراعيين للجان ومصادر دعمهم والإشراف عليهم ظهرت مراكز قوى وتنافس بينهم، وبرزت شخصيات ذات نفوذ له طابع أمني.
تم منح اللجان سلطات رقابية واسعة تشمل كل النشاطات الخدمية والإنتاجية في مناطق تواجدها، مثال: الأفران توزيع الغاز، توزيع المحروقات، ولهم أولوية وحصص ثابتة منها بقوة القانون. كما تم إعطائهم سلطة الرقابة على الناشطين المعارضين وتكليفهم بأعمال التحقيق الأولية، التي تجري في مواقع مختصة بهذا الشأن، إضافة إلى مهمة رصد تحركات المعارضة ولجمها.
 اتسعت الظاهرة في المناطق والأرياف وخاصة في مناطق الأقليات التي سميت تجاوزاً تابعة للنظام، وهي تحت سيطرته على كل حال، حيث يكون أعمال التعبئة وتنظيم الصفوف أكثر سهولة، تطورت الظاهرة حتى اكتسب عناصر الخدمة الإلزامية في مناطقهم على الحواجز, بدلاً من الخدمة خارج منطقتهم وهذا القرار لاقى ترحيباً من الأهالي والشبان.
 تقوم اللجان على استعراض القوة في الشارع: حمل السلاح في كل مكان وفي جميع الأوقات، باللباس العسكري وإطلاق النار في الهواء، أما تكليفهم بمهمة الحراسة على الحواجز التي تسمى حواجز النظام، فإن كان لديهم حسابات في سلوكهم مع أبناء حيهم أو بلدتهم، في أعمال التجاوزات والنهب، نجد أنهم في خدمة الحواجز، هناك قصص كثيرة عن أعمال الابتزاز والنهب التي يتعرض لها مواطنون غرباء عن المنطقة، وهناك روايات على حواجز مناطق من لون طائفي ما، كانت الحواجز مناسبة لتصفيات لأسباب طائفية، كما أن عطاءات السلطة الممنوحة للجان غير كافية لتأمين مستوى معيشة مناسب لهم، لذلك تم إطلاق يدهم في ابتزاز المارين على الحواجز وبث الرعب وتفتيش كل السيارات العابرة التي يمكن مصادرتها أو أخذ الكميات التي يريدون دون محاسبة، وانتشرت الرشوة، ومن كثرة الشكاوى صدر قرار بوقف تنفيذ الأحكام والملاحقة، بحق من يقوم بأعمال القتال ومنهم لجان الدفاع الوطني، هذا يعطيهم ضوءً أخضر لزيادة أعمال الابتزاز والنهب والقمع بحق المواطنين.
 تعد لجان الدفاع الوطني أكبر ضمانة للنظام في السيطرة وكسب الدعم الشعبي في المناطق والأرياف وقد امتدت حتى الأحياء في المدن، باسم الدفاع عن أهاليهم وأملاكهم، و في حالات الاشتباك التي قد تحصل، فإن المقاتلين هم من أهل البلدة سوف يتلقون دعم الأهالي لحمايتهم، وخوفاً عليهم، وهكذا تم توريط الشباب المتطوعين، ثم ربطهم بقوى أمنية و إعطائهم أدواراً أمنية في الرقابة والتفتيش والتحقيق والاعتقال، لديهم السلطة الأولى في منطقة تواجدهم ومنحهم صلاحيات خارج القانون، التي بلغت حداً دفعت بالنظام إلى التخلص من بعض العناصر القيادية من اللجان لإعادة ضبط الأمور بعد أن أصبحت خارج السيطرة، كما حصل مع ابن عم بشار الأسد. وآخرين كثر قضوا في ظروف غامضة، يعزيها كثيرون إلى منافسات بين مراكز القوى في السلطة، وإلى قوة أشخاص تجاوزوا الحدود الحمر، التي يمكن قبولها. وفضائح يجب لملمتها، عبر التضحية ببعض صانعي ومنتجي النظام الأمني في سوريا.

مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي راديو روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق