مقدّمات لتسوية محتملة في سوريا

مقدّمات لتسوية محتملة في سوريا
القصص | 19 ديسمبر 2014

يطوي السوريون عاماً آخر من مآسي القتل والاعتقال والخطف والجوع والتشرّد. تضحياتهم ضاعت سدىّ ودماء أبنائهم توظّف في بنوك صراع قذر على المال والسلطة والنفوذ يُخاض باسمهم. وحلم التغيير وبناء سوريا الديمقراطية العصرية ينأى أكثر فأكثر.
ليس هذا ضرباً من التشاؤم، إنّه توصيف لواقع الحال. حالٌ أدت إليها عوامل عدّة. فإضافة إلى تقاطع المصالح الإقليمية والدولية وتناقضها في سوريا، هناك فشل المعارضة السورية وتشرذمها وارتزاقها. ثمّ انتعاش الأصولية الظلامية محمولةً على أكتاف الخيار الانتحاري بعسكرة الانتفاضة الشعبية وسعي أصحابه لأسلمتها قبل أن تتمّ عامها الأول. وتالياً فإنّ نظام الكارثة المستمرة، الجاثم على صدور السوريين منذ أكثر من نصف قرن، استطاع الصمود وكسب معركة وجوده بوحشيّة عزّ نظيرها.

ورغم إيغاله المستمر في دماء الأبرياء واغتصاب حرّياتهم، نجح النظام في فرض نفسه طرفاً رئيسيّاً لا يمكن تجاهله بعد اجتيازه امتحان البقاء. تعزّز ذلك مع طغيان السمة الجهادية الظلامية على غالبية قوى المعارضة الفاعلة التي تقاتل ضدّ النظام، وسيطرتها عملياً على معظم المناطق الخارجة عن سلطته الذي غدا حقيقة لا جدال فيها. هكذا بات نظام يمارس الإرهاب حليفاً موضوعياً في الحرب التي يشنها التحالف الدولي على الإرهاب.

إلى ذلك، أدى تفاقم الخلافات بين كتائب المعارضة المسلّحة، وضعف التنسيق فيما بينها في العديد من الجبهات إلى خلق فرصة مواتية للنظام،فحقّق تقدّماً برّياً ملحوظاً في عدد من المناطق، كأرياف حمص وحماه ومحيط العاصمة دمشق. كما تتحدث مختلف التقارير الواردة من حلب عن نجاحه في إحكام الطوق على مناطق سيطرة المعارضة تمهيداً لهجوم واسع النطاق لاستعادتها. ما يعني أنّه رغم الضغوط التي تواجهها قواته في دير الزور ودرعا إلا أنّ محصّلة التطورات الميدانية تميل لصالح النظام، وهذا ما سيحسّن من وضعه التفاوضي في أي تسوية محتملة.

على ما تقدّم بدأت مختلف الأطراف العابثة بأحوال السوريين ومستقبلهم تنسّق جهودها للعمل على "إعادة تأهيل" النظام للمرحلة المقبلة. المفارقة أنّ دولاً عربية هي الأشد عداءً للنظام وتعدّ الداعم الأكبر لمعارضيه شرعت فعلاً في تغيير مواقفها منه.
يظهر ذلك جلياً من خلال جملة معطيات مستجدّة في التعاطي الخليجي مع الشأن السوري، حملت مؤشراتٍ عن تحوّل بارز طرأ على موقف دول مجلس التعاون الخليجي حيال الحرب الدائرة في سوريا. فقرار إعادة فتح السفارة السورية في الكويت ثمّ في الرياض، ومهما قيل عن أسباب "إنسانية" أو إدارية تقف وراءه لجهة تسيير أمور السوريين المقيمين هناك، غير أنّه لا يخلو من دلالات سياسية واضحة.

كذلك تصريحات وزير الدفاع القطري أمام مؤتمر حلف الناتو حول الأمن في الخليج. إذ أكّد على "منع تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق وتجفيف منابع الدعم المالي لتنظيم الدولة الإرهابية والمنظمات المتطرفة الأخرى". وتحدث عن "وضع إستراتيجية واضحة لاستعادة الاستقرار في سوريا". ثمّ، وخلافاً لاجتماعات قمم خليجية سابقة خرجت بمواقف حادة من النظام السوري بلغت المطالبة برحيل الأسد، تميّزت القمّة الخليجية الأخيرة في الدوحة بالتأكيد على الحل السياسي والتسوية السلمية للصراع.

التحوّل الخليجي يتزامن مع عودة نشطة للحراك الدبلوماسي حيال الملف السوري. كاللقاءات الأخيرة لنائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف مع مسؤولين أتراك وعدد من قياديي المعارضة السورية في تركيا. كذلك اجتماعه في بيروت مع حسن نصر الله، أمين عام حزب الله. علاوة على لقاء بوغدانوف الأهم في دمشق مع الأسد، "للاتفاق على بعض الأمور مع القيادة الشرعية في دمشق"، وفق تعبير المسؤول الروسي.

ما تقدّم يدفع للاعتقاد بأنّ جهوداً حثيثة تُبذل بهدف تهيئة الأجواء لمبادرة سياسية جدّية تحمل ملامح تسوية محتملة. وفي أقل تقدير، العمل لجعل خطة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، والقائمة أساساً على "تجميد" الصراع كمقدّمة لخلق بيئة تفاوضية أمراً واقعاً. على أنّ تحقيق ذلك يحتاج إلى تشكّل قناعة راسخة لدى كبار الداعمين لأطراف النزاع باستحالة الحسم العسكري النهائي.

وإذا كانت السنوات الثلاث المنصرمة جعلت من الحرب الدائرة في سوريا عنصراً مؤثّراً في ميزان القوى الدولي والإقليمي في المنطقة، فإنّ من شأن شكل التسوية المقبلة ومضمونها أن ترسم ملامح الجولة التالية من صراع النفوذ والمصالح المزمن في غربي آسيا. إذ إنّ أيّاً من المتورطين في النزاع لن يرضى الخروج من التسوية السورية خالي الوفاض.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي راديو روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق