السوريون وحيوانات الفيسبوك

السوريون وحيوانات الفيسبوك
تحقيقات | 19 ديسمبر 2014

بعد خروجها من المعتقل، توقفت الناشطة الحقوقية سلام عن مشاركة أي شيء يخص الوضع في سوريا، على صفحتها في فيسبوك، واكتفت بوضع فيديوهات لحيوانات تقوم بأفعال مشابهة لتصرفات البشر الحميدة، أو لغرائز تعكس تأقلم الحيوان مع الطبيعة واحترامه لقوانينها. 

وتقول لروزنة: "بهذه الطريقة أعبر عن خيبتي مما وصلنا إليه، لم يعد الكلام عن أي موضوع يفيد بشيء، ولم يعد بإمكاننا الدفاع عن أحد، قانون الغاب أفضل من قوانيننا". 

تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً، خبراً عن قطة سورية محجوزة في أحد المراكز الصحية بإيطاليا، بانتظار "لم الشمل"، مع صاحبتها التي نالت اللجوء في السويد. فيما ظهرت صفحة على الفيسبوك، تحمل اسم "يوميات قطة مندسة". كما أثار تسميم القطط والكلاب من قبل محافظة دمشق في شهر تشرين أول، عبر وضع السم في حاويات القمامة، انتقادات واسعة في العالم الافتراضي، الأمر الذي دفع المحافظة، في خطوة يمكن وصفها بالنادرة، إلى إصدار بيان بررت فيه فعلتها، بالمحافظة على البيئة. 

الاهتمام بأخبار الحيوانات ليس بشيء جديد، ولكن الجديد هو الربط بين عالم الحيوان، والوضع السياسي أو الاجتماعي الذي آلت إليه الأمور في سوريا، نتيجة النزاع وتعقيداته. 

وتكثر غريس التي تقيم في دمشق، من مشاركة مقاطع الفيديو الخاصة بالحيوانات وأخبارها، كرد فعل على ما يحدث في سوريا، من أفعال تصفها بالوحشية، وتضيف "هو نوع من احتقار الإنسان لذاته، واعتبار الحيوان أرقى منه، بقصد نبذ وانتقاد حملة السلاح".

تقصد غريس أحياناً تقديم "الوعظ" من خلال مشاركة مقاطع لحيوانات تقوم بأفعال حميدة، في محاولة "لإحياء إنسانية الإنسان، عبر تعلم احترام قوانين الحياة الطبيعية من الحيوان، تلك الحياة التي لا يأخذ فيها أي عنصر أكثر من حاجته".

ويرد الروائي السوري نبيل الملحم، هذا الاهتمام بأخبار عوالم الحيوان، إلى حالة أرقى من السياسة، وأقرب إلى التأمل الإنساني، هي "محاولة للانتقال من انحطاط السياسي إلى ارتفاع الطبيعي أو الإنساني". 

ويضيف أن الإنسان السوري أصبح يعيش الاغتراب، أي أنه "بات يعجز عن التواصل مع نوعه، ومن الطبيعي أن يأخذه ذلك إلى ما يسمى شركاء آخرون في الطبيعة، وهؤلاء الشركاء، يكونون من الحيوانات الفقرية على الأغلب".

اقتراب من حالة مرضية 

يعلق الدكتور النفسي أحمد عسيلي على هذه الحالات، بأن الكثير من السوريين يمرون بمرحلة من اليأس وعدم وجود نهاية متوقعة للصراع الذي يدور في البلاد، وهو ما يدفعهم إلى عوالم أخرى يجدون فيها ما يفتقدونه في حياتهم، ويبدو أن عالم الحيوان هو الأكثر قرباً من الإنسان.

ويوضح أن "الموضوع هو نوع من توسم أو طلب أشياء نفتقدها، من كائنات أخرى، مثل الشخص الذي فشل في الواقع، فيهرب إلى الخيال". 

ويعتبر الطبيب عسيلي، أن حالة الهروب أو التعويض هذه من خلال عالم الحيوان، هي "اقتراب من الحالة مرضية، ولكنه ليس مرض بحد ذاته، ذلك أنه من المفروض أن يبقى الإنسان في الواقع، والحالة المثالية تقتضي، أن أي مواجهة مع الواقع يجب أن تنبع من حلول، ناتجة من الواقع نفسه".

ويؤكد أن الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، ممكن أن تساهم في انتشار حالة عامة من أساليب الهروب.

نقد يلفت الانتباه 

قد يتم استخدام عالم الحيوان من أجل التعبير عن رأي سياسي ما، بطريقة طريفة تلفت الانتباه، ففي أحد مقاطع الفيديو التي شاركها مراد على صفحته، يظهر حمار يحاول تقليد مشية الحصان، ويشير الشاب في تعليقه على الفيديو إلى أشخاص أصبحت لهم "صولة وجولة" نتيجة استغلالهم للوضع الراهن والفوضى في سوريا، ولم يكن أحد قد سمع بهم من قبل. ويقول "من قلة الأصايل سرجنا عالحمير". 

في العالم الافتراضي الذي يمثل موقع "فيسبوك" أحد مكوناته، يكون لما ينشره الشخص على صفحته، دور كبير في تحديد صفاته بالنسبة للآخرين.

وتروي لينا، أنها تنظر إلى الصديق الافتراضي الذي يكثر من مشاركة المقاطع الخاصة بالحيوانات، على أنه شخص حساس ومسالم، وأنه يرفض ما يقوم به البشر من عنف، والأهم من ذلك في نظرها أنه يشاركها رؤيتها وشعورها، "بالمرارة، لأن ما حدث جعل البشر يشعرون أنهم وحوش، وأن الحيوانات أكثر إنسانية منهم بأشواط".

 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق