داعش والصراع السني الشيعي!

داعش والصراع السني الشيعي!
القصص | 09 ديسمبر 2014

مقالات الرأي | أحكم المالكي سلطته الطائفية على العراق، وكان ممثلاً للدولة الإيرانية في ذلك. وحين واجهته الاحتجاجات وتصاعدت، تم الدفع بداعش ليتقدم المشهد؛ الأخير لم يتأخر أبداً. المالكي الذي وصل فسادُه والاحتجاجُ ضدَّه لما يسمح بثورة شعبية واسعة، وتكون الحصيلة تهديد المصالح الأمريكية في العراق، أمر قواته بترك الموصل وبقية المدن ليتقدم نحوها داعش بصفة خاصة؛ ولم يخض جيش المالكي أية معارك، والمتابعات الصحفية تقول بوضوح شديد: أن الأوامر أعطيت من بغداد، أي من المالكي للانسحاب. 

كان المالكي يريد تجديد انتخابه لمرة ثالثة، ولكن حجم التدخل الإيراني وحجم الفساد أصبح عبئاً ثقيلاً، وكذلك تعاظمت مظلومية الطائفة السنية. إذاً تغييرُه صار ضرورة؛ ولكن الدور الإيراني كان حاسماً: يتراجع المالكي عن المشهد ويصبح نائبَ الرئيس، وتنتقل السلطة لزميله في حزب الدعوة – حيدر العبادي- التابع إلى إيران، وهذا ما حدث.

 داعش الذي يحرق الأرض، أصبح أداةً قاتلة لترتيب شؤون العراق. هو لعبة بين إيران وأمريكا، وفي هذا يتم ابتزاز دول الخليج وإجبارها على دفع المال اللازم للحرب على أرض العراق، الجنرال قاسمي على الأرض وطائرات أوباما في السماء.

 وبذلك يتعمق الصراع الطائفي؛ فإيران وأمريكا تتحالفان، والعدو هو داعش، ولكن داعش ظهر بعد احتجاجاتٍ شملت بصفة خاصة مدناً سنية، إذاً هذا التحالف ضد الطائفة السنية. هكذا يفهم الوضع، وهذا ما يعطي لداعش أرضاً معينة في تلك الطائفة.

في سوريا ظهرت النصرة وداعش وبقية الجهاديات، بعد الإفراج عن الجهاديين من سجون النظام ومن سجون المالكي ذاته، واحتلت تلك الجهاديات الأرض المحررة من النظام. إذاً لها وظيفة سياسية هي مواجهة الثورة ودعم النظام، وكلّما تعاظمت الجهادية طيلة العامين السابقين،  كلما استطاع النظام تشديد الحصار على المدن المحررة؟!

 الجهادية هنا أيضاً وبدخول الأمريكان في تحالف دولي ضدها، وكونها تعلن حرباً ضد النظام "النصيري"، وضد إيران "الشيعية"، فإنها تقدم نفسها في تناقض معهم. النظام وإيران ضد الشعب، وأمريكا لم تستجب للمعارضة للتدخل ضد النظام بينما تحارب داعش والنصرة! وبالتالي يتكرس على الأرض، وفي الوعي، أن أمريكا وإيران متحالفتان ضد الفئات الثائرة، وكون أغلبية تلك الفئات تنتمي للطائفة السنية والحرب ضد الجهادية، فيصبح حينها ذلك التحالف هو ضد الجهادية الممثلة "للسنة". 

تركيا وقطر اعترضتا على التحالف وعلى النظام وعلى الدور الإيراني من قبل. والسعودية والإمارات دخلتا في التحالف ولكن ضمن مخطط أمريكي يقول إن الحرب لن تتوقف ضد داعش فقط، وستشمل النظام أيضاً، وإن في مرحلة لاحقة. إذا السعودية شريك في الحرب ولكن من أجل مواجهة إيران وليس داعش فقط. السعودية تمثل في الوعي العام السنة، وإيران تمثل الشيعة، والتساكن القديم، ولا سيما بعد توقف الحرب الإيرانية العراقية، انتهى بدخول إيران كحليف استراتيجي للنظام في مواجهة الثورة، وتقديم السعودية نفسها ولاسيما عبر قناة العربية كداعمة للشعب "السني" السوري في مواجهة إيران. هذه أجواء صراع سني شيعي.

بتمديد الاتفاق النووي مع إيران، وقصف طائرات إيرانية داخل العراق وقصف قوات النظام لمدينة الرقة الواقعة في المجال الجوي لقوات التحالف، ظهر وكأنّ هناك تحالفاً أمريكياً إيرانياً، هدفُه تأهيل النظام لا دفعه نحو الحل السياسي. وفي العراق تتعثر العملية السياسية كذلك. إذن في هذا المشهد تتقدم داعش وكأنها تمثل السنة وليست تنظيماً إرهابياً وأداة سياسية لترتيب شؤون المنطقة!. داعش الآن وباستمرار إبعاد "السنة" العراقيين عن الحكم فهي تمثلهم، وفي سوريا، المشهد ذاته؛ فالتحالف والنظام يضربانه ويتركان قوات حزب الله وبقية المليشيات الشيعية حرة طليقة، وبذلك تنعقد الراية لداعش، ويتقدم وكأنه يمثل السنة وضد الشيعة.

داعش الآن، يُستخدم لأغراض الصراع الإقليمي والدولي. إيران تقاتل به أمريكا في سوريا والعراق، وأمريكا كذلك تقاتل به إيران في سوريا والعراق. وإيران وأمريكا يتركانه يتقدم ويتراجع هناك وهناك، وكأنه قوة لا يمكن حصارها؛ ويستدل من ذلك، أن إيران تستفيد منه لتتوسع في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وأمريكا تستفيد منه كورقة ضغط على إيران. أقصد أن المساومات الأمريكية الإيرانية لم تصل إلى نهايتها بعد، ولذلك يُترك داعش كورقة سياسية إجرامية للتوافق، سيما وأن أمريكا تريد وضع حدود لإيران، بينما الأخيرة تريد توسيع دورها الإقليمي، وهذا ما يستدعي حروباً بينهما مستمرة، وطبعاً على أراضي الغير إلى أن يحدث التوافق. 

في الأشهر السبعة القادمة، وهي أشهر التمديد النووي لإيران، وللمساومات بين أمريكا وإيران، سيتقدم داعش كقوة رافضة للتدخل الإيراني والأمريكي في العراق سوريا، وربما يهدد أمن الخليج بأكمله نظراً لدعمه هذا التدخل. 

داعش هنا سينزع ورقة "السنة" من يد السعودية وسيصبح هو واجهة الصراع السني الشيعي. وطبعاً ليس بخافٍ أن السعودية أضعف من أن تتخذ موقفاً ضد التحالف وأمريكا. الخوف الأكبر في المنطقة أن تستمر حالة الشد والجذب بين إيران وأمريكا طيلة العامين القادمين لولاية أوباما كونه المهادن الأبرز لإيران! وهو ما سيعزز من حضور داعش وسيكرس المآسي الكبرى للعراقيين والسوريين، وسيدفع المنطقة إلى صراعات دينية شرسة أكثر فأكثر!

-----------------------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق