شاعر الأرز ومنظّر حرّاسه أيضاً!

شاعر الأرز ومنظّر حرّاسه أيضاً!
القصص | 03 ديسمبر 2014

ليس مستغرباً ما أثير مؤخراً من سجالات ونقاشات حملت آراء متناقضة حول الشاعر اللبناني سعيد عقل بمناسبة رحيله. فالرجل على امتداد سنواته التي نافت المئة لم يدهش الناس بشعره فقط بل بشطحاته الفكرية ومواقفه المتطرّفة أغلب الأحيان.

شِعرُ سعيد عقل من أعذب وأجمل ما كُتب بالعربية، فصحاها وعامّيتها. شآمياته التي صدحت بها فيروز، ستُخلّد في سماء الفن، كما يارا وجدايلها الشقر. غير أنّ المقال لن يتناول إبداع الشاعر، وإنما الإشارة إلى إحدى أكثر الظواهر التي أفرزتها الحرب اللبنانية تطرّفاً وعنصريّة، وكان لعقل بصمته فيها ومثّلت جزءاً من تاريخه.
بعد يومين من حادثة "بوسطة عين الرمانة" التي أشعلت حرب لبنان، أُعلن عن تأسيس "حرّاس الأرز". جاء هذا التنظيم ثمرة تمازج أفكار الشاعر سعيد عقل وسياسي ماروني يدعى إتيان صقر. برز صقر من خلال "اتحاد الطلاب القوميين اللبنانيين" بصفته مسؤولاً للتوجيه والتدريب العسكري، ثمّ نشطت مجموعته في الأشرفية (بيروت الشرقية) قبيل الحرب باسم "حماة الأرز" أول الأمر، وصولاً إلى الإعلان الرسمي عن التنظيم في 15 نيسان 1975.

يمثّل ذلك التاريخ لدى "حراس الأرز" ذكرى انطلاق ما يسمّونه "المقاومة اللبنانية ضد حرب الإبادة التي شنها اللاجئون الفلسطينيون والمرتزقة اليساريون والعروبيون ضد لبنان وشعبه". ورغم محدودية تأثيرهم العسكري على الجبهات غير أنّهم كانوا الأكثر تطرّفاً في ممارساتهم كما في شعاراتهم. من تلك الشعارات: "لن يبقى فلسطيني واحد على أرض لبنان"، و"على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً".
عرف هؤلاء أيضاً باسم "الحركة القومية اللبنانية"، وكانت تأثيرات سعيد عقل وأفكاره آنذاك واضحة في أدبياتهم. كالقول بأنّ لبنان أمة قومية منذ آلاف السنين، والعروبة كذبة، وهي الخطر الذي يتهدد لبنان. واللبنانيون يتكلمون الفينيقية اللبنانية، ويجب أن يخرجوا من ازدواجية اللغة المحكية واللغة المكتوبة، بأن يكتبوا المحكية، وبحروف غير عروبية. والقضية اللبنانية قضية مستقلة، قائمة بذاتها، غير معنية البتة بأي قضية أخرى. أما الحاجز الذي يفصل لبنان عن إسرائيل منذ نشأة الأخيرة، فهو حاجز اصطناعي ينبغي إزالته من دون تردد.

لم تتأخر الترجمة العملية لموقفهم الموالي لإسرائيل. ففي أواخر تموز 1976 أصدر إتيان صقر (أبو أرز)، بصفته القائد العسكري لحراس الأرز بياناً أعلن فيه صراحة "طلب مساعدة دولة إسرائيل ضد قوى الشر التي ما زالت تقاتل اللبنانيين منذ 15 شهراً، وتمعن بهم خراباً وتدميراً، معتبرين إسرائيل صديقة للبنانيين، اعتباراً من هذه الساعة، متمنين مساعدتها عسكرياً ومادياً واقتصادياً ولها منا سلفاً، اخلص الشكر".

هكذا، كان من الطبيعي أن يرحّب "الحرّاس" بالغزو الإسرائيلي للبنان صيف 1982. لاحقاً بلغ الأمر بأبي أرز أن يفاخر بمشاركته في مجزرة صبرا وشاتيلا ويدافع عن مرتكبيها بالقول "إننا نملك الحق الكامل بالتعامل مع أعدائنا في لبنان بالطريقة التي نراها مناسبة، هذا شأننا الداخلي، فلا تتدخلوا به".
أمّا سعيد عقل، شاعر الأرز ومنظّر حرّاسه، فقد ظهر في مقابلة مع التلفزة الإسرائيلية أثناء اجتياح 1982،  ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بالبطل، مطالباً إياه بإكمال "تنظيف" لبنان من آخر فلسطيني، معبّراً عن تعاسته إذا لم يتحقّق هذا المطلب! ليس هذا فحسب بل أعلن عن شكره للجيش الإسرائيلي وسعادته لما يقوم به بتخليص لبنان والعالم من "هالوسخة اللي اسما العنصرية الدموية الفلسطينية". وخلص "الشاعر" إلى الدعوة لقطع رأس كل من يقول عن الجيش الإسرائيلي بأنه جيش غزو مؤكداً "باسم كل لبنان" أنه "جيش الخلاص".

سواء تعلّق الأمر بسعيد عقل أم بسواه، غاية القول إنه إذا كان من المنطقي الابتعاد عن الخلط بين الشعر وبين آراء الشاعر ومواقفه السياسية، وتالياً لا يجوز اتّخاذ موقف من الشعر تبعاً للموقف السياسي للشاعر، كذلك يقتضي المنطق ألا يجبّ الشعر ما عداه وكأنه البعد الوحيد لشخصية صاحبه، فيجب ألاّ يُمحى جانب من تاريخ الشاعر وتُغفل سقطاته أو يتمّ تجاهلها والتغاضي عنها كرمى لجمال شِعره.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق