داعش التي يدعمها ويحاربها الجميع في آن؟!

داعش التي يدعمها ويحاربها الجميع في آن؟!
القصص | 26 نوفمبر 2014

 إن المتأمل بعمق في ردود الأفعال الدولية والإقليمية والمحلية على الحملة الدولية ضد داعش وجدواها، سيكتشف ثقوبا واضحة في الإستراتيجية المتبعة، ثقوباً من الخطورة حد أنها تقود إلى سؤال: هل حقا الهدف محاربة داعش، أم ثمة أجندة أخرى؟

على المستوى الظاهري تشكل داعش "عدوا" للجميع الذين يريدون محاربتها، إلا أن المستوى الواقعي وما يدور على الأرض يقول إن لا أحد يريد محاربتها إن لم تصب هذه الحرب في خدمة أهدافه المباشرة، بما يعني خلق فراغات تتيح تمددها بانتظار أن تصب الحرب عليها في مصلحته، الأمر الذي يقودنا إلى سؤال أخطر عن دور تلك القوى في "خلق" داعش ودعمها لتكون الأداة التي تساعدهم على تحقيق مطامحهم، وفق إستراتيجية خلق العدو وتضخيمه.

حققت داعش لواشنطن العودة إلى العراق من أوسع الأبواب وبتغطية دولية مقبولة، والتدخل في سوريا رغما عن النظام وموسكو وإيران اللذين كانوا يعارضون أيّ تدخل أمريكي مباشر، مع رفض إشراكهما في تلك الحرب، وملاحظة أن واشنطن تعمل على المدى الطويل على تحقيق مصالحها ومصالح شركائها في المنطقة على حساب مصالح الحلف الروسي الإيراني الذي بات يتراجع بعد تقدّم، وما حديث "جون كيري" الأخير عن كون "كوباني" لا تشكل أهمية إستراتيجية إلا مراعاة للحليف التركي الهادف إلى تدمير كل ما قام به حزب الاتحاد الديمقراطي على الأرض، في سعي لإضعاف الأوجلانية وإفساح المجال للبرازانية للتقدّم على حسابها ( اشتراط دخول البيشمركة يؤكد ذلك)، بما يسمح لداعش بالتقدم لتحقيق هذا الهدف، ليتم الحرب عليها لاحقا، وهي نفسها إستراتيجية النظام السوري التي وفرّت كل الأجواء المناسبة لتمدد داعش لتكون أداتها في ضرب القوى العسكرية المضادة لها من جهة، ولإقناع العالم بأن ما يجري في سوريا إرهاب يستوجب دعمها وإشراكها في مواجهته من جهة أخرى، قبل أن تصاب بخيبة أمل جرّاء عدم إشراكها وحلفائها الذين أقدموا على وسم الحرب الدولية على داعش بأنها غير ذات جدوى بعد أن أقلقوا العالم طيلة ثلاث سنوات بخطر الإرهاب!

تركيا لعبت دوراً في دعم داعش (سواء مباشر أو غير مباشر)، لتكون أداتها في تصفية الوجود الكردي في شمال سوريا، سعيا لانتزاع براثن حزب العمال الكردستاني قبل الدخول في تسوية نهائية معه، ولتحقيق ما سعت له دوما من منطقة عازلة تخفف عنها عبء النزوح السوري وتسمح لها بأن تكون صاحبة الكلمة الفصل في الشمال السوري، وعليه فإن تركيا ستمتنع عن قتال داعش إلى أن يتحقق هدفها.

دول الخليج التي أربكها الربيع العربي كانت إستراتيجيتها الأساس تقوم على منع تمدّد الربيع باتجاه منطقتها، وإن إدخال هذا الربيع في حمى التطرف والإرهاب والتدمير، سيشكل حائط صد أمام شعوبها التي ستفضل الأمان على الغرق في مستنقعات الحرب الأهلية، ناهيك عمّا شكلته الأرض السورية من أرض قابلة لتصدير الإرهابيين إليها، بما يعني التخلّص من أعباء "إرهابيها" على الأرض السورية، فبعد أن حققت "داعش" لهم ما تريد هاهم شركاء في "الحرب على الإرهاب".

إيران ومن خلفها موسكو، كان جلّ اهتمامهما ينصب على تقديم ملف "مكافحة الإرهاب" على ملف إسقاط النظام السوري، حيث أشرفا على عملية تمدد الإرهاب في سوريا من ألفها إلى بائها، بما يعني ذلك تقاطعهم مع الخصوم في محطات مفصلية كما شرحنا فوق، سعيا لدفع واشنطن نحو جعل النظام السوري "شريكاً للإرهاب" فكان أن قلبت واشنطن الطاولة عليهم واستفردت بالحرب على الإرهاب، ربما إلى حين نضوج التسوية الإقليمية، إذ خلف ستار هذه الحرب يعمل كل طرف على تحسين شروط الأرض لصالحه، لتغدو "داعش" العدو الذي يدعمه الجميع ويحاربه الجميع في آن، إذ لولا هذه الثقوب لما تمددت داعش وتمكنت بهذه السرعة، وهي ستنكمش بمجرد نضوج التسوية يوما ما وسد تلك الثقوب، دون أن يعني ذلك أيضاً أن "داعش" مجرد لعبة مخابراتية تديرها تلك القوى كما يرطن البعض، فهي نتاج مجتمعات مأزومة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، واليوم توفرت لها كامل شروط النمو بعد تآكل سلطات القمع العربية.    

 *مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي راديو روزنة 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق