اختر الضحية المناسبة أيها المجرم

اختر الضحية المناسبة أيها المجرم
القصص | 13 نوفمبر 2014

مر أكثر من شهر على بدء العمليات العسكرية للتحالف الدولي من أجل ضرب تنظيم البغدادي في سوريا. لا زالت الطائرات تحلق فوق بلاد النهرين رامية حمولتها على مقرات التنظيم، ومتجاهلة طائرات النظام السوري الذي بدأ بتكثيف عملياته مؤخراً ضد المدن السورية بحجرها وبشرها. 

تتفاوت التقديرات والتحليلات، ولكن لا يستطيع أي منها التنبؤ بما ستثمر عنه هذه الضربات، ولا كيف سيكون شكل الخريطة بعد انتهائها. في الأصل، لم يتحرك الغرب ويشعر بضرورة القيام بما يقوم به الآن إلا بعد أن أحسّ بالخطر لدى ظهور فيديوهات ذبح الصحفي الأمريكي. لم يكن لديه أي مخطط واضح، ولا يعرف حتى الآن ما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها بالضبط من إنفاق 250 مليون دولار يومياً في هذه الحرب. هل هي إضعاف داعش؟ أم القضاء عليها؟ أم إعادتها إلى الداخل السوري وتأديبها بعد أن تجرأت وهدمت الحدود؟ أم إضعاف الجميع بغية فرض تسوية سياسة عليهم؟ ولو أن الاحتمال الأخير مستبعد لأنه ليس هناك أي نية للاقتراب من النظام. 

تتحلى السياسة الدولية في تعاملها مع الملف السوري بالقليل من المنطقية، والكثير من الافتراضات الخاطئة والدناءة. ظلّ السوريون لمدة ثلاث سنوات ونصف تحت القذائف والصواريخ الباليستية والحوّامات التي ترمي البراميل، وفقد عشرات الألوف ذويهم في المعتقلات تحت التعذيب. حوصرت الكثير من المدن السورية ومنع الغذاء والدواء عن أهلها حتى مات الناس فيها من الجوع والذي لم يمت أكل الحشائش والقطط. وناشدوا العالم طويلا لكي يتدخل ويضع حدا لهذه المأساة، وقوبلوا بالتجاهل التام. 

لم يظهر الاستهتار الغربي بالسوريين عند إحجامه عن التدخل إلا بعد ذبح الصحافي الأمريكي فقط، ولكن بطلبه المساعدة من هؤلاء الذين تجاهل موتهم طويلا، لمحاربة التنظيم. بل أكثر من ذلك، في عدم ثقته بجميع الفصائل المسلحة الموجودة على الأرض ورغبته في انتقاء الأشخاص المناسبين لهذه المهمة.وقد وصل الاستهتار الدولي بدماء السوريين إلى ذروته بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بتاريخ 21 آب في العام الماضي، حيث قام نظام الأسد بقتل حوالي 1500 شخص بالسلاح الكيماوي، وقد كان بتلك الفعلة قد تجاوز الخط الأحمر الذي وضعه له الرئيس الأمريكي باراك أوباما حين حذر من مغبة استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين. وبعد الحملة الإعلامية الكبيرة التي جرت في الغرب ودار الحديث فيها عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية للنظام، قام الأخير بالموافقة على تسليم سلاحه الكيماوي لقاء العدول عن فكرة الضربة. وبتراجع الأمريكيين عن قرارهم بتأديبه  كانت قد اتضحت ملامح سياستهم القائمة على الإقلال من شأن الجريمة، مقابل التركيز على نوع السلاح الذي تم تنفيذها به. وبذات الطريقة والعقلية التي تحرم على النظام قتل السوريين بالسلاح الذي حذرته من استخدامه، ولا تجد مشكلة في استخدام بقية الأسلحة، يشن التحالف هذه الحرب. هذه السياسة ذاتها هي التي تدفع التحالف إلى توجيه ضرباته نحو مقرات التنظيم في الرقة والشمال السوري، وترك بقية المدن السوري تحت رحمة براميل النظام. هي السياسة التي تميز بين ذبح الصحفي الأمريكي جيمس فولي وإعدام عشرات الآلاف من السوريين تحت التعذيب في معتقلات الأسد.  فكما أنه من غير المهم طبيعة الجريمة وعدد الضحايا الذين قضوا جراءها، لا بأس أيضاً إذا كانت الجريمة ذاتها قد نفذها مجرم آخر غير هذا الذي يتوجب القصاص منه. فالعقوبة، تبعاً لهذه العقلية، ليست رداً على الجريمة، ولا اقتصاصا من القاتل لأنه قام بها. لا بأس بأن يرتكب القاتل ما شاء الجرائم، فهو لا يستحق العقوبة إلا عندما يوجه سلاحه إلى النّحر الخطأ. 

 

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات راديو روزنة 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق