في أن الإسلام السياسي ليس بديلاً!

في أن الإسلام السياسي ليس بديلاً!
القصص | 12 نوفمبر 2014

مقالات الرأي | استغل الإسلام السياسي بتنويعاته همجية داعش اللامحدودة، ليقدم نفسه البديل والقيادة للثورة في سوريا. النظام فعل ذلك، ليظهر الثورة الشعبية إسلاميةً ويدفعها نحو ذلك. هذا الإسلام لم ينف عن داعش إسلاميته، ولم ينتقده لمنافاته قيم العصر وحاجات الشعوب وأهداف الثورة، أي منظومة حقوق الإنسان وحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والانتقال نحو الديمقراطية؛ بل انتقده لأن خلافته ليست صحيحة وقضاءه الشرعي ليس سليماً، وبغياب ذلك، فإن داعش تعتبر فئة باغية ومن الخوارج، وليست فئة مناقضة لكل حياة إنسانية، فكيف لتحقيق أهداف ثورة شعبية تستهدف حياةً أفضل لكل الناس. الإسلام السياسي لم ينه مع فكرة الخلافة، ولا مع حدودٍ كالرجم والسبي وقطع الرؤوس، ولا اعتبرها ممارسات همجية، بل لأنها لا تتطابق مع شروطه الشرعية، والتي لم تتوفر بعد. ربما حين تتوفر يتم تطبيق هذه الحدود شرعاً.

ظهر ذلك أكثر مما ظهر في النقاش الذي تعمم بعد حادثة قتل السيدة الحموية والتي اتهمت بالزنا، وتم رجمها. وقد استغلته التنويعات المشار إليها لتقديم نفسها كبديل. هذا الإسلام فقير بالرؤية والبرنامج، ولذلك وبدلاً من طرح هذه القضايا، يسارع كعادته إلى استغلال حوادث معينة لتقديم نفسه، والأمر ذاته تم حينما كتبت لمى الأتاسي كلام فهم منه تهجماً على شخصية النبي ومحمد وعلى الصحابي خالد ابن الوليد.

سمحت الانتفاضات أو الثورات المشتعلة بعد 2011 في معظم الدول العربية، وبفشل المشروع القومي والاشتراكي، وبارتباط المشروع الليبرالي بالنهب والفقر، بأن يقدم الإسلام السياسي نفسه كبديل؛ ووصل فعلاً إلى الحكم، وجاء إقصاؤه في مصر بطريقة أقرب للانقلاب العسكري لتشكل له مظلومية جديدة، يطرح بها نفسه كطرف لم يُسمح له بالحكم؛ وفي تونس قدم نفسه كجهة تحترم الديمقراطية ولا سيما بعد موافقته على الدستور وعلى الانتخابات التشريعية، ومباركته لجبهة النداء بالفوز. وفي بقية البلاد العربية هو عبارة عن تنظيم يشارك في تعميم الحرب "الأهلية" كما الحال في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن، ولكن وبعيداً عن المعمم من الكلام، فإن حكم الإخوان في مصر وفي تونس استمرت سياساته في الاقتصاد التابع وتفقير الناس، وفي السياسة اجتهد لأخونة الدولة ولا سيما في مصر؛ طبعاً كانت تجربته في السودان كارثية على الحريات وزاد الإفقار والطائفية، والأمر عينه في الجزائر حينما صرّح بوضوح شديد أنّه سيعلق المشانق للعلمانيين، وبالتالي لا يشكل الإسلام السياسي بديلاً  سياسياً واقتصادياً، ويستغل وعي الناس البسيط دينياً لتعزيز حضوره السياسي، وبتعزيزه المحافظة الاجتماعية والقيم الدينية المتوارثة، يسيطر ويسود.

قوة هذا التيار من ضعف المشاريع المشار إليها أعلاه، والحقيقة هو شريك للمشروع الليبرالي في الاقتصاد وإن لم يتفق معه في السياسة؛ فمفهوم الإسلام السياسي للاقتصاد هو مفهوم المشروع الليبرالي نفسه، ولذلك سارع في مصر وتونس لطلب المساعدة من البنك الدولي لاستجلاب الأموال لحل المشكلات الاقتصادية. 

قوة السلفية الجهادية، والسماح لها بالتمدد في سوريا والعراق، ورعب الناس منها، وغياب إستراتيجية محلية أو عالمية لإنهاء المشكلات العامة لهذه المجتمعات، هو ما سيسمح للإسلام السياسي بالاستمرار. السلفية الجهادية وبعد طورها الداعشي، شكلت إستراتيجية جديدة، ستسمح بتجدد الهيمنة الأمريكية على منطقتنا العربية وما يحيط بها؛ وما التحالف الدولي الحالي إلا تعبيراً عن هذه الهيمنة، وهذا ما يعطي للإسلام السياسي حظوظاً جزئية بالسلطة. وجودها هذا لا يمكن أن يكون أكثر من تعاون مع بقية القوى السياسية، ولكن دون أن يشكل هو ذاته نظام الحكم؛ فالمملكة السعودية ترفض ذلك، وكذلك معظم القوى السياسية العربية والمالية، ربما باستثناء قطر، وستعدّل موقفها لا محالة. وتبقى تركيا التي توظف الإسلام السياسي للتمدد في المنطقة وانطلاقاً من سوريا؛ هذا يعني أن الإسلام السياسي لن يخرج من ساحة العمل السياسي، ولكن لن يُسمح له بتشكيل أي نظام سياسي بشكل منفرد؛ فهو فشل في مصر وفي تونس وقبلهما في السودان، ومشاركته للحكم في العراق قزمته إلى مجموعة طائفية، وفي ليبيا قوة تخريب وهكذا. 

ما قلناه هنا يعبر عن محدودية دوره في حل المشكلات، إن لم نقل له دور في خلقها كما حال مصر حيث احتدام المشكلات السياسية، وكذلك الأمر في سوريا حيث لعب أسوأ الأدوار على الثورة بدفعها للتأسلم وفي ذلك تلاقى مع النظام، وسمح ذلك بظهور الجهادية؛ وله قسط كامل في خلق المشكلات في كافة الدول العربية.

هذا الإسلام ليس بديلاً للجهادية، وقد تبين أن مفهومه للدولة المدنية يطابق الدولة الإسلامية ذاتها. وأن عدائيته للعلمانية بعامة، وفي السياسة خاصة، توضح طائفيته وأصوليته وعدم قدرته على التوافق مع العلمانية ومع حقوق الإنسان والمواطنة، وأن مفهوم الخلافة والحدود المناقضة لقيم العصر، لا تزال ضمن مشروعه، ورفضه لتطبيقها متعلق فقط في عدم استكمال الشروط الشرعية التي يعتقد هو حصراً بها!

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق