بين البكيني والحجاب والشعر المستعار.. المرأة دينياً أم سياسياً؟

بين البكيني والحجاب والشعر المستعار.. المرأة دينياً أم سياسياً؟
القصص | 29 أكتوبر 2014

جسد المرأة بين الستر والعري "مساحة" لا تغطيها الأديان، لكنها تندرج في السياسة والاقتصاد، ثم تستلهمها الحقوق، وينص عليها القانون، أهم ما في الأمر هنا، أن القانون المعاصر وضع على حرية العري -الحرية الشخصية في مجتمع الفرجة-، فيصبح أي تقليد اجتماعي آخر مثار استهجان واستنكار ورفض، فيصبح من حق المرأة، أن يستخدمها الرجل في فيلم بورنو! باعتبار أن حضارتنا لا تزال حضارة ذكورية بامتياز، أو يسترها من رأسها حتى أخمص قدميها كالنقاب عند الإسلاميين المتشددين، البكيني رمز دنيوي بامتياز، بينما الحجاب الإسلامي، والشعر المستعار عند المرأة اليهودية، عبارة عن رموز دينية، وتحول الثاني إلى رمز للموت المحقق أبان صعود النازية، ويتحول الأول الآن: إلى تسفيل شعوب بكاملها، ومحاصرة لتفاعلها الحر مع العالم الراهن، تفاعلها بكل تياراتها -وهذا الطبيعي- مع تاريخها اليومي. عندما ارتأت السياسة حرق اليهود في ألمانيا وقسم من أوروبا عموماً، لم تعد المرأة اليهودية المتدينة قادرة على لبس شعرها المستعار ولا جواربها السوداء، ولا حضور مناسبات دينية، نتيجة للخوف، ولم يعد الرجل قادراً على حمل نجمته السداسية. السؤال المقلق للبعض "هل تعيش أوروبا الآن نفس الفضاء ولكن مع تغير دين الضحية، من اليهودي إلى المسلم؟"، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان يظهر اليهودي في "الدراما الأوروبية" منسوخاً من الصورة المكرسة عند ويليام شكسبير في "تاجر البندقية"؛ حيث صار "شايلوك" اليهودي عَلَماً على الكراهية للآخر، وعلى اليهودي أن يتنصر حتى يتخلص من يهوديته، لأن يهوديته تفقده حق الحياة في بعض دول أوروبا. الآن: المسلم الإرهابي!! المتخلف، الهاضم لحقوق المرأة، المهدد لقيم حضارة وثقافة أوروبا -بشقيها الديني والوضعي- والذي لا يستطيع الاندماج في مجتمع أوروبا، نتيجة لثقافته و"كركتره المرسوم" من رسم هذا "الكركتر؟" ولماذا؟ فهل بات على المسلم اليوم أن يتنصر أو يتهود حتى يتخلص من صورته هذه التي تلاحقه أينما ذهب، ومهما فعل؟ وغير خاف على أحد قوة الإعلام والصورة في زمننا، إنه جوهرة السياسة المعاصرة. هل نحن أمام هولوكست رمزي جديد؟ الشعوب الأوروبية، وثقافتها رغم كل هذا الضجيج الإعلامي المستبطن للسياسة، أكثر إنسانية، ورقيا من أن تقوم بمثل ما قامت به مع اليهود منذ سبعة عقود تقريباً، حتى النازية الجديدة، عدوانيتها سلمية!! رغم تقدم فضاءها الثقافي، وتسربه إلى أحزاب اليمين التقليدية، ما هي المسافة الآن بين يمين حزب جان ماري لوبين، ويمين "حزب من أجل الجمهورية" الذي اصدر قانون منع الحجاب، في القضايا الداخلية الفرنسية؟ رغم كل هذه المؤشرات إلا أن الأمر يجب أن يكون مشجعاً لقيام إسلام أوروبي معصرن، يستلهم إنسية الأندلس، وليس آخروية أسامة بن لادن. وهذه المهمة لا تقع على عاتق، أنظمة القمع والاستبداد في العالم الإسلامي، بل تقع على عاتق سياسيي أوروبا ومثقفيها، وخاصة المسلمون منهم.

الرموز اليهودية لم تعد مستهجنة في أوروبا الآن، أما الرموز التي تشير للإسلام، فهي موضع استنكار، وشجب، وليس أكثر من الحجاب، مصدراً للشجب والإرهاب. هذا اضطهاد جديد للمرأة المسلمة.

النخب العربية منها مازال يرى أن لثقافتهم الدور، الطليعي في حل إشكاليات المجتمع العربي، وهذا دور لا يريدون التصديق، أن الراهن "سياسي بامتياز، والباقي يتحرك في حقله، سواء كان ثقافة أو إعلام أو أديان أو برقع أو بكيني أو شعر مستعار" هنا تكمن المشكل، وهنا حلها معاً. وهذا لا يعني أن الثقافة باتت ميتة الدور، ولكن ثقافة تعزل نفسها عن السياسي، وتترفع عنه، وترذله معتبرة أن الحل لديها، هي التي تموت ويعزلها السياسي، في أيقونات يحتفي بها لزوم احتياجه للشكليات. 

العلمانيون في العالم الإسلامي يعانون من مشكلة عميقة وجدية، وهي أنهم بنمذجتهم التاريخية، للمرأة الأوروبية، إنما يحيلون الأمر لواقع انكشاف الجسد حجب/ كشف، أكثر مما يحيله إلى قضية حرية المرأة، حيث النموذج الغربي إحدى تجسيداته، ودون رفع قضية حرية المرأة إلى مستوى وجودي، وبذلك يصبح الحديث، أننا نقلد الغرب، لأنه الأقوى، والأكثر حضارية وحرية، وإن كان هذا صحيحاً إلا أنه يمنع رؤية الأمر من الزاوية الوجودية لحرية الكائن الإنساني، كفعل محايث لوجوده أصلاً.. وهنا يعود بنا الحديث إلى ما بدأناه في بحثنا لهذه الظاهرة، الحقل السياسي العربي حقل يبخس ويسفل حرية الإنسان العامة والفردية، وبذا تكون المرأة جزء من هذا التسفيل، وليست قضية معزولة عن حقل التسلط التاريخي على الكائن عامة في العالم العربي. هذا العزل ترحب به سلطات المنطقة، وتجعل من قضية المرأة معركة تفصيلية، تحيل إلى نقيضها الأساس، وهو "الستر والانكشاف، وليس الحرية والقمع" لهذا من الطبيعي جداً، أن احترم خيار امرأة مستقلة تماماً، [أن تكون محجبة، أو تضع شعراً مستعاراً أو ترتدي البكيني في مكان عام، وهذه حريتها الشخصية] إنه تساوي على مستوى الوعي بحرية الكائن. هل مشكلتنا في العالم العربي، مع الحجاب أم مع سلطة الحجاب، ومن هي سلطة الحجاب؟ في صفقة فريدة حدثت منذ عقود، بين السلطات الفاسدة والقمعية في العالم العربي، وبين الإسلام الموالي لها، بحيث ترك الشارع لهؤلاء الإسلاميين في بعض الدول العربية، كما ترك لهم أيضاً الشارع في بعض الجاليات الإسلامية في الدول الغربية، من الذي ترك هذا الشارع للإسلاميين؟ ولماذا؟ ورغم ذلك، هل يمكن القبول بالتعامل مع الجاليات المسلمة، وكأنها كلها "تنظيم القاعدة"؟ وبالتالي هل يمكن التعاطي مع النساء المسلمات كمنقبات أو محجبات؟ والسؤال الآخر" كم امرأة مسلمة في أوروبا، يستطع أبوها أو أخوها أن يفرض عليها الحجاب والنقاب؟ 

المثال السوري: سوريا سابع دولة في العالم تعطي المرأة حق الانتخاب والتصويت والترشح لأي موقع سياسي 1949. قبل دول كاليونان 1958، وسويسرا 1971. منذ ذلك التاريخ لا مشكلة في حقوق المرأة الدستورية. المشكلة بدأت في سوريا مع سلطة الأسد الأب الذي أتى بانقلاب 1970. والذي حكم سوريا بالحديد والنار، وقتل من الشعب مع وريثه الحالي بشار الأسد، قرابة مليون سوري على مدار أربعة عقود ونيف. لم تبقى عائلة بلا معتقل أو قتيل لأسباب سياسية. بشار الأسد لوحده ضحاياه منذ انطلاق الثورة السورية 2011 وحتى الآن نصف مليون ضحية، وأكثر من 10 ملايين لاجئ ومهجر ونازح. ومئات ألوف المعتقلين وعشرات الألوف تم تصفيتهم تحت التعذيب. أكثر من 11ألف طفل قتلوا على يد نظام الأسد، وأكثر من 150ألف امرأة تعيل أسرها نتيجة لقتل رجال هذه الأسر من قبل نظام الأسد. حق الحياة هنا هو المطروح، أم حق الحجاب أو السفور؟ إضافة إلى أكثر 13الف منهن قضين في القتل تحت التعذيب والقصف والاغتصاب والاعتقال. كلها موثقة في مؤسسات الأمم المتحدة. إذا كان حق الحياة معدوم في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، فهل تصبح قضية الحجاب ومناقشتها قضية ملحة؟ ثنائي حكم المرأة بالعالم الإسلامي سلطات مجرمة فاسدة كسلطة الأسد، وتيارات إسلامية موالية له بهذا الشكل أو ذاك. مشكلة المرأة في العالم العربي كمشكلة الرجل في حكم مافيات الأنظمة القاتلة والفاسدة كنظام الأسد، ولا حل لهذا إلا بقيام دولة الحرية والمؤسسات وحقوق الإنسان. الحرية مطلقة من الزاوية الشرعية للميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ولكنها تاريخية في التعاطي اليومي معها ضمن الحقول السياسية والاجتماعية. بالتالي لا يمكننا معالجة قضية المرأة دون التأسيس على الجانب المطلق في حريتها عبر" تهيئة القاعدة الدستورية لضمان حرية المرأة ومساواتها بالرجل من حيث القيمة الإنسانية، وهذا يحتاج إلى دولة حريات عامة وفردية أولا وأخيراً.

داعش والمرأة: هذا التنظيم الذي يشبه في كل فصول ظهوره وممارساته تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، والذي لا يوجد فيه قيادي واحد من أصل سوري، بل جلهم عراقيين وشيشان ومن دول أخرى. لم يأتي هذا التنظيم ومن يدعمه إلا لكي يجهض أحلام السوريين بالتحرر، كبقية شعوب الأرض. فكان نموذجاً دعمته إيران والأسد لكي يمارس أبشع الممارسات وكان آخرها رجم امرأة بتهمة الزنا، وتم رجم المرأة حتى فارقت الحياة، وتبين أنها تبلغ من العمر 26 عاماً وهي أرملة من محافظة الرقة وتدعى (ش . م . أ)، إضافة لقطع الرؤوس، وتهجير المسيحيين من الموصل في العراق، كلها ممارسات لم تعرفها سوريا وشعبها في تاريخهم، ممارسات فقط تشبه ما مارسه الأسد الأب وابنه كما ذكرت. مشكلتنا ليس فقط في قضية حقوق المرأة، بل مشكلتنا مع الأنظمة الفاسدة والمجرمة كالنظام الأسدي، هي في حق الحياة. لهذا نطالب العالم أن يقف مع شعبنا.

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي راديو روزنة 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق