"لفّة العروس" في جمهورية الخوف

"لفّة العروس" في جمهورية الخوف
القصص | 16 أكتوبر 2014

لم تجد نفعاً "لفة العروس"(1) التي أجبر عليها صديقي لكي يتجاوز الإشارة الحمراء التي وضعت بجانب اسمه لدى أجهزة الأمن السورية طيلة سنوات، ولما شاع بين الناس أنه مطلوب لأسباب سياسية ضاق عليه القيد أكثر، فلم يعد يجرؤ أحدهم على مساعدته لإيجاد عمل او التعامل معه، وهذا أمر شائع في جمهورية الخوف.

ما زلت أذكر تفاصيل تلك اللحظة حين جاءني مكسوراً يرجو بعض المال يعين نفسه به لأيام قليلة أخرى. وهو الذي بقي بلا عمل حتى آخر حياته رغم مواهبه المتعددة. لم تكن المبالغ التي يطلبها كبيرة وإن كانت متكررة. المهم، حين صدمه  اعتذاري بقي صامتاً لدقائق، وبعدها أخرج من جيبه ورقة وراح يحسب كم يمتلك من المال. صعقني حجم المبلغ الذي يمتلكه وما زال يستلف ارقاماً صغيرة!! كان يقصد في أمواله المستحقة: أجوره الشهرية منذ أن تم قبوله للعمل في الخليج الذي لم يلتحق به وحتى اللحظة التي نجلس فيها، وكل تلك المبالغ ذمّة مالية مطلوب من رأس النظام أن يسددها له باعتباره المسؤول الأول الذي تسبب بمنعه من السفر!! انتهت حياة صديقي قبل أن يعرف أن فاتورته أبسط الفواتير السورية وأقلها ثمناً.

لا يعرف كثير من مواطني الدول الأخرى طبيعة المعاناة في أنظمة الاستبداد المغرقة في التسلط وسلب إنسانية الإنسان ولا يتصور كثير منهم كيف يمكن أن  تحرمك السلطة من السفر؟ قد يسألك بدهشة هل تشد وثاقك إلى عمود ما في البلاد؟  لا يدرك الكثير منهم أن الحصول على جواز السفر قد يصبح حلم البداية والنهاية لحياة كاملة. لا يصدّق أحداً منهم عندما تروي عن مشاهدات يومية تحدث في جمهورية الخوف حتى أنهم يصغون إليك بكثير من الشك والريبة عن مثل تلك المبالغة، وأنت لا تصف إلا القليل مما يحدث كي تقترب الصورة من منطق المستمع.

مشكلة النظام السوري أنه اعتبر نفسه طارئاً على البلاد منذ أن وصل إلى سدّة الحكم، ووضع نفسه منذ البداية في مواجهة الشعب الذي لم يرى فيه النظام إلا باعتباره مصدر تهديد لسلطته ومقوضاً لدعائمها في لحظة ما، فاجتهد النظام على تحصين السلطة وتثبيت دعائمها وكل ما عدا ذلك ليس له في الميزان أي حساب.

الرهاب (phobia) أو عقدة الخوف المزمن من الشعب صارت هي الهاجس الأكبر للنظام السوري لذلك فقد كرّس إمكانات البلاد كلّها من أجل تدعيم أمن النظام، فبالغ في توسيع المؤسسات الأمنية التي تعددت اشكالها ومهامها في الوقت الذي تم إهمال الجوانب الأخرى لحياة الدولة فتهدمت مؤسسة التعليم وفسد القضاء وتردت الصناعة وتصحرت البلاد وكان للإنسان السوري من ذلك كلّه نصيب حين طال عمر النظام .

 ومنذ بدايات النظام الأولى اعتمد النظام مبدأ المكارثية  (McCarthyism)  التي تتلخص في التركيز على التخلّص من العناصر المشكوك في إخلاصها للنظام القائم، وحجر الزاوية في هذا المبدأ يقوم على الشك بالولاء لذا تم استحداث ملفات للموظفين تحدد نسبة ولاء كل منهم، أما الأدوات التي تعتمدها المكارثية لتحقيق غاياتها فتتلخص في تضخيم الخطر  ونشر ثقافة الخوف والتشهير بكل من لا يتفق مع النظام، والقصد الأساسي من ذلك كلّه هو تشتيت الناس عن التفكير في قضايا ملحة كالفساد والفقر والبطالة، وهذه كلها جزء بسيط من الأدوات التي برع فيها النظام السوري أكثر من غيره حتى صار المدرسة الأولى بلا منافس.

وفق سياق المنطق، كان لابد أن للبلاد أن تصل إلى نقطة الاستعصاء في لحظة ما عاجلاً أم آجلاً بسبب عدم قدرة النظام على تغيير طبيعته وسياساته تجاه المواطن، ولكن الذي يصعب على المنطق قبوله هو أن يحدث كل هذا الخراب والتعسف والبطش والمجازر الجماعية اليومية المتكررة أمام العالم كلّه في زمن العولمة وفي أوج ثورة المعلوماتية التي تتيح للعالم كله أن يرصد حركة بعوضة في غابة نائية، فالمجتمع الدولي والرأي العام العالمي والمؤسسات العالمية بمسمياتها الكثيرة هي اليوم أمام امتحان حقيقي في استمرار شرعية وجودها كشاهد على جريمة العصر دون أن تكون لها فاعلية في الأسس التي قامت عليها أساساً.

 دفع الشعب السوري فاتورة أكثر بكثير مما يطيق أي شعب آخر احتماله، حتى أن حقوق المواطن في التعليم والصحة وحق السفر والعمل باتت قضايا متناهية في صغرها أمام فواتير الدم والتعذيب التي دفعها كثير من أبناء الشعب السوري، فما الطريقة التي يمكن للنظام السوري أن يسدد فيها  ثمن حرمان أم حياة أولادها تحت التعذيب مرة وتحت القصف ثانية؟ وكيف يمكن تقييم فاتورة الذكريات التي ضاعت وأفراد الأسرة الذين تشتتوا في أصقاع الأرض؟ وبماذا سيجيب المواطن السوري عندما يرد أمامه ذكر اسم الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان ومجلس الأمن وهيئة الأمم واخواتها؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

(1)لفّة العروس: تقليد شائع يمرّ فيه موكب السيارات التي تحتفي بالعروس على أكثر الأماكن المشهورة في المدينة. وفي التعبير كناية عن مرور المطلوب أمنياً على فروع الأمن كلها للتحقق من عدم حاجتها إليه في تلك الفترة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق