الأسلحة الكيميائية وسقوط الأنظمة!

الأسلحة الكيميائية وسقوط الأنظمة!
القصص | 10 أكتوبر 2014

تفتح عودة النظام السوري إلى نغمة وجود منشآت أو أسلحة كيمائية لديه باب النقاش مجدداً حول العلاقة بين سقوط الأنظمة وقدرة الأسلحة الكيميائية على أن تكون منقذاً، خاصة أنها أنقذت النظام السوري فعلاً حين كانت الضربة على وشك الحدوث (2013)، فهل نحن أمام مراوغة أخرى من النظام أم ماذا؟

قبل نقاش الحالة السورية، لابد من ملاحظة أن ما يمرّ به النظام السوري سبق ومرّ به كل من العراق وليبيا، حيث تمّ تخلّي ليبيا عن برنامجها الكيميائي كثمن لتحسين علاقتها مع الغرب في عام 2008 في حين أن العراق دخل المسلسل ذاته منذ عام 1990. الملاحظ في الحالات السابقة أن تخلي تلك الدول عن طموحاتها في امتلاك هذا النوع من الأسلحة لم يحمها من السقوط الذي جاء على يد من قدمت لهم فروض الطاعة!

هذا درس لاشك يقرؤوه النظام السوري، فهو يعرف جيداً أنّ مصيره سيكون كمصير سابقيه، لهذا قد يكون اتخذ الحيطة مرة أخرى، فأبقى فعلا على كميات قد يساوم عليها، خاصة أن باب إسقاط النظام لم يغلق بعد، لهذا لوّح مرة أخرى بورقة الكيماوي لدخول سوق المقايضة بعد أن فشلت استراتيجيته في جذب الغرب لجعله شريكا في محاربة الإرهاب.

قد تسفر النتائج النهائية لما يجري اليوم في سوريا عن تأهيل للنظام إلى حين، ولكن لن يكون هذا التأهيل طويل المدى، فهو ليس أكثر من وقت مستقطع للتخلص من هذه الأنظمة التي باتت عبئاً على شعوبها والعالم، فكما استمرت عملية ترحيل القذافي من عام 2008 حتى عام 2011 وعملية ترحيل صدام من عام 1990 حتى عام 2003، فإن النظام السوري لن ينجو من هذا المصير، طال الزمن أم قصر، لأن الاستراتيجية الغربية في استنزاف دول المنطقة تقوم على غض الطرف عن عملية تسلّحها بهذا النوع من الأسلحة المحرّمة دولياً، مدركة أنها تحت طائلة القانون الدولي، و تاركة الباب لها لكي تستنفذ مواردها المالية والاقتصادية، بما ينعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان، ليصار إلى مرحلة ثانية تبدأ بالضغط على تلك الحكومات للكشف عن ترسانتها ومن ثم فرض عقوبات اقتصادية بما يؤدي على المدى البعيد إلى زيادة استنزاف الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تصبح تلك الأنظمة واقعة تحت نيران الضغوط الغربية من جهة، ونيران الضغط الشعبي من جهة أخرى، وصولاً إلى لحظة الاحتقان التي ستنفجر مهما تأخر الوقت، ليتم الاستثمار من قبل الغرب في تلك اللحظة، مع اختلاف الأجندة في كل دولة، وهو ما رأيناه واضحا في الربيع العربي، وخاصة في الحالتين السورية والليبية واليمنية، حيث تم تجيير الانتفاضات الشعبية لتصب في مصلحة القوى الإقليمية والدولية، بعيداً عن مصالح الشعوب، مع سعي واضح لاحتواء آثار الثورتين المصرية والتونسية بنفس الوقت.

إن عودة النظام للاستثمار في الملف الكيماوي مجددا تعكس فشل رهانه على "محاربة الإرهاب" التي سعى جاهداً لتسويق نفسه لها، وتعكس مدى تأزمه وضعفه إذ يستثمر في نقاط ضعف أكثر مما يستثمر في نقاط قوة، لأنه حتى لو نجح مجدداً فإنه يطيل عمره لأشهر أو سنوات لا أكثر، لأن التجارب تقول أن كل من دخل نفق الكيماوي لم يخرج منه سالماً، فالسياسة الغربية تقوم على استراتيجية الصمت فالعقوبات فالتوريط حتى النخاع من ثم سحب البساط تدريجياً أو دفعة واحدة، ولعلّ ما تمر به إيران اليوم يبيّن أنها في منتصف الطريق هذا، فالصمت على الكيماوي والنووي الإيراني اليوم بالتوازي مع إعطاء إيران مساحات إقليمية واسعة لا يشبه إلا الدور الذي أعطي للنظام السوري بعد اتفاق الطائف في الإقليم، حيث تم استنزافها بقضايا المنطقة، وهو المطلوب اليوم لإيران، أن تغرق وتستنزف في صراعات المنطقة بالتوازي مع قيام النظام بقمع شعبه وتأزيم الأوضاع الاقتصادية/ الاجتماعية التي ستمهد الأرضية لانفجار داخلي سبق وشهدنا جزءا من فصوله في انتفاضة عام 2009، إذ أثبتت تجارب هذه النظم أنها عاجزة عن الإصلاح وعاجزة عن الاستفادة من دروس بعضها، وما ترشيح الرئيس الجزائري بوتفليقة على كرسي متحرك إلا تعبير مكثف عن الفشل والعجز في آن. 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق