حول الدولة الإسلامية وعلياء المهدي

حول الدولة الإسلامية وعلياء المهدي
القصص | 03 سبتمبر 2014

الصحافية منى الطحاوي كتبت: "عندما تكون المرأة مختصرة بما يوجد على رأسها وبما يوجد بين ساقيها، يتحول العريّ والجنس إلى أسلحة للمقاومة السياسية". الإشارة هنا إلى تحويل الجسد واللباس من تقليد اجتماعي إلى جاهزية سياسية. السبب غياب الحريات العامة والفردية في العالم العربي، وهذا بدرجة كبيرة وكبيرة جداً ينطبق على الرجل أيضاً، أي أن غياب هذه الحريات هي معضلة العالم العربي. وما تبقى يندرج في اطار التفاصيل، التي يمكننا الحديث فيها في سياق آخر، وهو سياق وجود هذه الحريات أيضا. 
تستطيع علياء المهدي أو غيرها التعبير عن عريها ورأيها كما تشاء. في العالم الغربي، يستخدم أسلوب التعرّي، بشكل أساسي، للفت انتباه وسائل الإعلام. أما في العالم العربي فيوضع التعري في إطار مناهضة الثقافة السائدة بين أبنائه. تعتبر الباحثة فرانسين بارث دولوازي، أن "العريّ له تأثير بصري فعّال للغاية". من هنا نفهم قول آنّا هوستول مؤسسة حركة "فيمين"،  التي تأسست في أوكرانيا عام 2008 واشتهرت بسبب كشف ناشطاتها عن نهودهنّ،  خلال الاحتجاجات التي تنظمها، إن "الناس لا تهتم بالرسائل التي نوجهها إن لم نكن متعرّيات". 
برز في منظمة فيمن لاحقاً ناشطتان عربيتان من أصول مسلمة علياء المهدي المصرية و الناشطة التونسية أمينة السبوعي التي أعلنت مؤخرا أنها انفصلت عن منظمة "فيمن" النسوية واتهمتها بمعاداة الإسلام وبتمويل غامض. 
لا أريد الدخول هنا في تعريف العري من منظور ديني وفلسفي، وحول اعتباره ظاهرة تمس المقدس لدى كل شعوب العالم تقريباً. فهذا أمر متوفر للقارئ الكريم إن أراد البحث في النت. بل يهمني هنا التأكيد على ثنائية العري والاحتجاب كجاهزية سياسية. كنت قد نشرت مقالاً في العام 2010 يتناول هذه المسألة بعنوان" البكيني والحجاب والشعر المستعار"،  لا أريد تكرار ما ورد فيه، لكن هذه المسألة ليست جديدة في واقعنا العربي عامةً، وما كان يجرى وجرى لاحقاً في دول الربيع العربي. كحال بعض العلمانيين العرب، عدوهم مجتمعهم وليس السلطة المتوحشة التي تغتصب هذا المجتمع في كل لحظة. 
من المفهوم تماماً ما قامت وتقوم به ناشطات منظمة فيمن لمحارية ظاهرة الرقيق الأبيض في أوكرانيا وغيرها كما سبق وأسلفنا، لكن في جو متوفر فيه الحريات العامة والفردية، وبالأخص الحريات السياسية نسبياً، لكون أوكرانيا كانت تعاني من سيطرة روسية بوتينية بالمعنى السياسي للكلمة، ولكونها أيضا دولة انتقلت حديثاً إلى الديمقراطية من نظام ستاليني، وكلنا يتذكر الثورة البرتقالية 2004التي قام بها الشعب الأوكراني، للتخلص من ذيول الستالينية الروسية.
النشاط المدني لفيمن هناك هو ضد السلطة السياسية الأوكرانية التي لم توفر القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية لمنع الرقيق الأبيض. لم يكن موجهاً ضد المجتمع الأوكراني ومقدساته بغض النظر سواء آمن بها ناشطات فيمن أم لا؟ كان العري وسيلة ناجحة نسبياً. أقله أثارت القضية داخلياً ودولياً. لكن ربما طريقتهن هزت شيئاً من المقدس أو من غير المألوف من زاوية العري وبهذه الطريقة. مع ذلك الحرية المدنية والسياسية حق مكفول دستورياً وقانونياً لهن في أوكرانيا عندما انطلقن2008 . الغاية من هذا المقال هو التالي " الناشطة علياء المهدي قامت مؤخرا بوضع راية الدولة الإسلامية السوداء تحت عريها، كنوع من التحدي لما اسمته الدولة الإسلامية وتعاليمها". هذه الراية فيها كلمات مقدسة بالنسبة لعموم المسلمين، فيها كلمة الله على الأقل. علماً أن كتب كثيرة وأوراق ترمى يومياً في سلة المهملات فيها كلمة الله وفيها آيات قرآنية. لا تعني شيئا للمسلم. قلة من المسلمين يقومون بحرق هذه الأوراق، لكي لا يدنس لفظ الجلالة بالنسبة لهم في سلة المهملات. 
كان بإمكان علياء المهدي أن تضع صورة البغدادي بساعته الروليكس. هذا النشاط يستخدم المقدس لكي يحطم صورة مقدس آخر. أقصد استخدام العري الذي لاتجرؤ كبرى وسائل الاعلام على نشره كاملاً- اقصد الجسد العاري- لأنه كحد أدنى يخدش الحياء أو يعتبر من الأدبيات المتواضع عليها في الاعلام العالمي ليس كله بالطبع. هنا تحدث مفارقة أولى عابرة، وسائل الإعلام هذه تراعي الأدبيات العامة بعد نشرها عورة علياء المهدي، وتكتفي ببقية جسدها، ولا تراعي مئات ملايين المسلمين. لو لم أكن سوريا، ربما لا يعنيني كل ما تقوم به علياء المهدي. لكن اقترابها من الوضع السوري، بهذه الطريقة قبل أن نجد لها موقفاً واحداً من قاتل أطفال سوريا بشار الاسد، إنما يعبر عما ذهبنا إليه أعلاه أن النشاط هذا هو لتعميم العماء العالمي عن قاتل اطفال سوريا، بطريقة تستفز ملايين المسلمين في العالم العربي الذي ينخر الفساد والديكتاتوريات وغياب الحريات عظامهم فقراً وقمعا ًوقتلاً، ولا تأتي على ذكر السلطة السياسية في العالم العربي. كان الأجدى أيضاً لمن سوق للصورة تلك أن يتركها كما هي دون أن يراعي الآداب العامة،  ربما لإعداد أقل بكثير ممن أذته هذه الصورة في مقدساته.
الدولة الإسلامية كتنظيم ارهابي مرتزق في جزء منها هي جزء من هذه المعايير التي تحمل ما يجري في مجتمعاتنا لمقدس ناسها" المعترين" لو كان في سوريا ديمقراطية وحريات عامة، لما استوقفتني القضية أيضاً. هذا جسدها وهي حرة في عرضه، وبالطريقة التي تراها مناسبة. هنالك فارق علينا رؤيته بين ما هو موجود في اوكرانيا وما هو موجود في سوريا. مع ذلك ربما تكون هذه الصدمة التي أحدثتها علياء تصب في قضية الحرية. وربما تخدم مغتصبي هذه الحرية في إزاحتهم عن نتائج اعتراض جسد علياء المهدي على الدولة الإسلامية عموماً.
الحرية إشكالية كبرى في الفكر الاسلامي،  لكنها مندرجة في استمرار السلطات القمعية وغياب الحريات. لهذا زائف كل نشاط تقريباً، في ظل هذه الجريمة على مجتمعاتنا من يحمل هذه المجتمعات مسؤولية هذه المقتلة اليومية، مسؤولية الفساد على كافة المستويات. احتجاج غالبية الإسلاميين على علياء المهدي تقريباً،  كان مثل الطريقة التي قامت بها علياء في احتجاجها. وجهان لعملة واحدة. الغاية بالنهاية وضع هذا الحوار في سياقه السياسي في ظل استمرار هذه المقتلة الاسدية.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق