عن الإسلام المعتدل والإسلام الجهادي

عن الإسلام المعتدل والإسلام الجهادي
القصص | 02 سبتمبر 2014

مقالات الرأي | جاء الكلام عن إسلام معتدل وجهادي في سياق ثورات شعبية عارمة ضد أنظمة النهب والشمولية المطلقين. وشكلت الرؤية المحدودة للقوى الثورية بإسقاط الحكم بوابة عبورٍ لتتسلط قوى الإسلام السياسي على هذه الثورات؛ فالليبراليون واليساريون، لم يملكوا رؤية هامة للواقع، وإن امتلكوها، لا يحوزون على قوىً سياسية قادرة على تنفيذيها.

في ساحات الثورات، تواجد الشعب بقواه الثورية والإسلاميين؛ الأخيرين استفادوا من شروط ما قبل السقوط، فإخوان مصر كانوا جزءً من النظام السياسي والاقتصادي المصري، ولا يغير هذا من الضغط الأمني لتحديد دورهم وليس لمنعه، وإسلاميو تونس وسوريا وليبيا، كانوا في الخارج، وبمجرد حدوث الثورات فتح لهم مال – وإعلام- قارون من قطر، وسواها؛ عدا عن مظلومية سياسية سابقة مضخمة، ولم تلق نقداً يوضح أنهم شركاء مع الأنظمة في شموليتها وفي تكريس محافظة اجتماعية واسعة وفي أنهم حاضنات للإسلام الجهادي، وعدم اتخاذهم أي موقف منه، سوى القول إنه مغالٍ، أي أن الجهاديين ليسوا إلا مسلمين ولكنهم مغالون. طبعاً الموقف السياسي، كان يفترض القول إنها جماعات إرهابية باسم الدين.

لا يوجد شيء اسمه إسلام معتدل في الماضي، وهو يستخدم في الصحافة بالضد من الجهادي فقط. بينما واقعه أنه إسلام يقر بالجهاد والخلافة ويشرعنهما، وإن كان لا يشاركه الممارسات العملية، من قتل وذبح وتدمير وتفخيخ وإعدامات عبثية.

ولكن السؤال المغيب، وهو الأساسي، لماذا كل هذه الاتجاهات الإسلامية، ولماذا هي تخفت وتعلو، وما هي رؤيتها عن مشكلات الواقع، وهل هي امتداد للماضي أو هي ابنة الحاضر، وكيف يمكن أن تتشرعن في إطار الحياة السياسية الديمقراطية دون أن تحولها إلى حياة طائفية سياسية.

الجواب على كل ذلك، لا يأتي من هذه الإشكالية، التي تنتمي إلى علاقة الدين بالسياسة، وهي إشكالية ثقافية أكثر مما هي سياسية. بينما موضوع الإسلامات المطروح هو موضوع سياسي بامتياز.

الإشكال الحقيقي الذي يتيح هذه الحركية المتبدلة في الإسلام السياسي، هو طبيعة الطبقة التي تحكم، والطبقة المحكومة، وشكل الصراع السياسي بينهما، وبالمجمل يتعلق الأمر بطبيعة التكوين الطبقي لمجتمعاتنا؛ قراءة خصائص هذا التكوين، هي التي تتيح لنا فهماً عميقاً لكافة مستويات المجتمع ومنها قضية تصاعد الدين السياسي في زمن ما وتراجعه في أزمنة أخرى.

التكوين الاجتماعي الذي لم يعتمد التصنيع الثقيل، لم يسمح بوجود حقيقي لطبقات عمالية واسعة، وبالتالي لم تتشكل نقابات معبرة عنها، وظلَّ هذا التكوين زراعياً وتجارياً، الأمر الذي غلّب الوعي الديني على الوعي النقابي والسياسي الحديث؛ وهو يعبر عن غياب مشروع تاريخي للتقدم العام لدى الطبقة الحاكمة.

هذا الواقع أسهم بوجود حركة إصلاح ديني لم تذهب نحو فصل الدين عن الدولة ونحو العلمانية بشكل  واضح، ولم تعمل من أجل إخراج الدين من السياسة نهائياً؛ بل عادت إلى بعث الماضي والعودة إلى الأصول، وإعادة إحيائها، وتكلمت عن دور الإسلام التاريخي والخلافة، وسوى ذلك، وهو ما كرّس وعياً دينياً وسيّسه، ولاحقاً ظهرت حركة الإخوان المسلمين كحركة طامحة للحكم، وقدمت نفسها كمعبرة عن المجتمع في وجه التغريب، ومن رحم الإخوان المسلمين ولدت الجهادية في مصر، وأكمل هذا البعث،  البعث الشيعي ولا سيما بعد الثورة الإيرانية 1979، لتتصاعد الخلافات السياسية باسم الدين، بين الشيعة والسنة، وهو ما فتح صداماً بين السعودية وإيران بهذا الموضوع، وفتح دعماً لكل أشكال الإسلام السياسي في العالم العربي، طبعاً كان في وجه منه ضد القومية والشيوعية وكل أشكال التحديث، وهذا تلاقى مع سياسة أمريكية بخصوص توظيف هذا الإسلام ولا سيما الجهادي منه في معركة إسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان، وسمي المقاتلين حينها بالمدافعين عن الحرية.

في ظل هذه الأوضاع، راح التكوين الطبقي يتجه نحو الريعية أكثر فأكثر ومع انتهاج السياسات الليبرالية بدءاً بنهاية السبعينيات، توقفت تقريباً المشاريع الصناعية التجميعية، وأفسد القطاع العام الذي تشكل وصار نهباً لصالح العائلات المالكة في الأنظمة الجمهورية كمصر وسوريا والعراق، وغيرها.

ورافق ذلك سياسة تديين المجتمع، فأمتاز الحكم بسوريا ببناء أكبر عدد من الجوامع في كافة الدول العربية، وساهمت كافة الدول بتسييس الدين ولكن بشكل منضبط.

واهم من  يعتقد بانسجام وبروح طيبة للأنظمة العربية مع الدين. الموضوع برمته، توظيف الدين لتسهيل عملية نهب الاقتصاد على أوسع نطاق وتهييج مخيلة الناس بحوريات السماء وبالتدين. هذه ممارسات الأنظمة. إذا طبيعة الاقتصاد الريعي والنهب كان يرافقه تسييس للدين، وضمن هذا المستوى كانت التيارات الجهادية والطائفية والأصولية تتعالى، ولكنها كانت تميل للصمت على النظام الحاكم؛ فهو نظام شمولي، واستخباراتي بامتياز، ومتابع دقيق لما يجري في الخفاء وفي الأنفس، ولكنه لا يمتلك حلاً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ فهو من خلقها، وبالتالي لا يمكنه أن يمتلك الحلول لها.

بحدوث الثورة التونسية تحرك العالم العربي برمته؛ كشعوب منهوبة ومقهورة ومفقرة، ومقموعة، ولعب الشباب دوراً مركزياً؛ القوى السياسية القوية والجاهزة للاستفادة منها، هي الإسلام السياسي، وبوجود دولة تملك المال والإعلام، كقطر وغير قطر ومجموعة كبيرة من المنظمات، تمّ الاستيلاء على الثورات؛ ولكن ذلك الإسلام لا يمتلك برنامجاً إنقاذياً للاقتصاد ولديه مشكلة مع الديمقراطية، وبالتالي بدأ مشروعه يذهب نحو الشمولية، وهذا ما سبب سقوطه السريع في مصر، وهذا قبل لعبة النظام القديم ممثلة بالسيسي، وفي تونس كادت الأمور أن تذهب نحو ما يشبه مصر، وفي ليبيا هناك كارثة والأخوان شركاء في التدمير الآن، وفي سوريا لعبوا أسوأ الأدوار في السياسة، وهم يصمتون الآن عن النصرة والدولة الإسلامية والجبهة الإسلامية، وإن تكلموا، فبرأيهم أن هذه الجهات لا تمثل الإسلام. أي أنها جهات إسلامية مغالية فحسب، وليست تنظيماًت إرهابية وظيفتها تدمير الثورات.

تصاعد الإسلام السياسي إذاً مرتبط بغياب البرجوازية الصناعية، ولخدمة برجوازية ريعية بشكلها المهمين على الاقتصاد، وهذا ما سمح للدين بالتسييس الواسع؛ إذاً ليست القضية في إسلام معتدل أو إسلام جهادي أو بين بين، فهو سيوجد لا محالة ما دامت الطبقة الحاكمة ريعية بامتياز. نضيف أن البرجوازية في البلاد المتخلفة لا يمكن أن تكون إلا كذلك؛ وهذا يذهب بنا نحو فكرة جديدة لا تسمح مساحة هذا المقال بنقاشها.

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق