معركة اسم داعش أم معركة روحها

معركة اسم داعش أم معركة روحها
القصص | 29 أغسطس 2014

"داعش"، "تنظيم الدولة الإسلامية" و"منشقي القاعدة"، ثلاثة أسماء لقوة عسكرية فكرية واحدة، الاسم الأول ابتكره سوريو الفيس بوك، فسرى كالنار في هشيم غضب الجميع من عناصر "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الغلظاء القساة الجلفاء الذين فتكوا بالناشطين وبالمقاتلين، أما الاسم الثاني فهو تسمية عناصر الدولة لأنفسهم بعد أن باتوا يملكون "مقومات دولة" منهوبة من دولتين، كانتا محكومتين بناهبين أخرين، وجاء أبو بكر البغدادي ليصبح كالوارث من أبيه!
أما التسمية الثالثة أي "منشقو القاعدة" فهي أكثر من جديدة، وأكثر تعبيراً عن جوهر المشكلة، فدار الإفتاء المصرية قررت خوض المعركة ضد داعش، وبدأت منذ وقت تعد العدة لها، وها هي تطلقها وبقوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، معركة حاسمة وقاصمة تهدف إلى تغيير التسمية التي أطلقها البغدادي وعناصره على أنفسهم أي "‏الدولة الإسلامية"، لتصبح "دولة المنشقين عن القاعدة في العراق والشام"...! بعد أن رأى شيوخ دار الإفتاء أن الاسم المستخدم حالياً ساهم في تشويه صورة الإسلام.
حرب دار الإفتاء المصرية هذه، هي تعبير شديد الوضوح على تداعي عقل المؤسسات الدينية الرسمية، التي تتحمل بشكلٍ لا لبس فيه مسؤولية تكريس التطرف لدى عددٍ كبيرٍ من الشباب العربي المسلم، بعد أن ارتهنت للأنظمة السياسية، التي حكمت ومازالت المنطقة العربية. وبدلاً من أن تكرس استقلاليتها واستقلالية قرارها، باتت جزءاً من الأنظمة ذاتها، وبدلاً من أن تشكل مرجعية أخلاقية للشباب الذي يعاني من جور السلطة ومن التهميش والإفقار، كانت تتخلى عن واجباتها لتصبح قراراتها صدىً لقرارات الأنظمة، ما حوّلها إلى مؤسسات منفّرة، يصبح الخروج عليها أمراً واجباً لدى عقيدة التطرف، التي باتت ترى المنظومة السائدة هدفاً لها.
واليوم، بدلاً من أن تقوم هذه المؤسسات بمراجعات عميقةٍ لسياساتها السابقة التي أسهمت في زيادة نمو التطرف في المجتمع، نراها تذهب إلى سطوح الأشياء، لا إلى عمقها،  فلسان حال دار الإفتاء المصرية يقول: إن معركتنا في الاسم، وليس في أي شيء آخر، وإذا ما كسبنا المعركة اللغوية الاصطلاحية، فإن دروب النصر ستغدو مفتوحةً لسنابك خيلنا.
كما أن المعركة لدى مفتي الجمهورية في سوريا حسون، هي معركة مع الإرهاب، بوصفه خطر يهدد نظام الأسد، وليست معركة يجب أن تخاض مع البنى الذهنية العميقة الراسخة في تفكير الشيوخ الذين تولوا منابر الجوامع، يفتون، ويحللون، ويحرمون دون ضوابط، فاتحين الأبواب على مصاريعها أمام الشباب المسلم لأن يجد نفسه في صورة مستعادة من زمن سحيق، يرى أنها قابلة للتجدد والخلق من جديد.
الإسلام الرسمي هو صنو النظام العربي، وهو الميسّر والخادم لفكر التطرف، الذي تولده عمليات القمع والكبت، وتحريم السياسة على أفراد المجتمع، والتغول في إفقار الطبقة المتوسطة، وجعلها تنحدر نحو أسفل خطوط الفقر، والتغييب الكامل لفكرة العدالة الاجتماعية، وتدمير كل مقوماتها على الأرض.
 كل هذا ما كان له أن يمر ليصبح واقع حال، لولا وجود هذا التحالف العميق بين رجال السلطة ورجال الدين، وفي أتون المعركة الطويلة بين المنظمات الجهادية المتطرفة والتي ماتزال مستمرة منذ عشرات السنين، يحق للجميع أن يسأل عن دور المؤسسات الدينية الرسمية في صناعة المشهد الراهن، أليست هي السلاح الضارب في يد السلطات في وجه كل محاولات القوى السياسية الحية لأن تلحق المجتمعات العربية بركب الحداثة والتطور؟ ألم تجرد هذه المؤسسات كل أسلحتها في الماضي من أجل اتهام كل من نادى بفصل الدين عن الدولة، بتهم الكفر والردة؟ هل تتذكرون ما فعلته دار الإفتاء اللبنانية حين قام ناشطون لبنانيون بدعوة الدولة لتطبيق الزواج المدني في البلاد؟ هل تذكرون أن تعديل قانون الأحوال الشخصية السوري الذي يعيد السوريين قروناً إلى الوراء كان سيتم بمباركة المؤسسة الدينية الرسمية. هذان المثالان وأمثلة أخرى موزعة على كل بلد عربي، يوضحان جزءاً من الحقيقة، حقيقة أن داعش (سموها أي اسم فاسمها ليس المشكلة)، ليست سوى ابن غير شرعي لزواج علني بين شيوخ السلطان وبين رجال أمنه. 


مقالات الرأي لا تعبر عن رأي روزنة بالضرورة انما تعبر عن رأي كاتبها.

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق