مسألة السلطة حيث لا مسألة

مسألة السلطة حيث لا مسألة
القصص | 25 أغسطس 2014

 النظام الدولي الذي يسكن فينا، يهندسنا جثثاً وحكاماً، فقراء واغنياء، جلادين وضحايا. النظام الدولي يطعمنا مما ينتج، ويستهلك ما هو موجود لدينا من ثروات وإنتاج. أي تحد لغوي صرف حتى لهذا النظام الدولي، ينعكس سلباً على واقع حال شعوبنا. 
أوضح الربيع العربي الحضور اللامتناهي للقوى الدولية في تقرير مصير أي سلطة بالعالم،  فما بالك إذا كانت محيطة بإسرائيل. لهذا يمكننا القول ببساطة أن كل ما حصل في سوريا منذ 45 عاماً سببه الأسد، وما تبقى نتائج ولايمكن تلافي النتائج باستمرار السبب. الديكتاتورية ليست نظام وتوجد فيه أي نوع من المشاركة لا في الولاية العامة ولا في الولايات الخاصة!! لو كان لديه 1% مشاركة بالقرار الوطني لما كان اسمه ديكتاتور ولا تغنى بديكتاتوريته مثقفون كباراً وصغاراً. 
منذ مجيئ البعث للسلطة 1963 لم تعرف الدولة السورية سيادة غير سيادة السلطة، كانت للبعث حتى عام 1970 وأصبحت باستبدالية انقلابية سلطة الأسد، بالتالي أصبحت السيادة للأسد، ولا يمكن فهم الوضع السوري والتعاطي معه بجدية، ما لم نعي هذه الواقعة، ونعرف كيف ترسخت، لأنه برأيي هنالك مغالطة تستخدم، في نقاش الدولة والسيادة في سوريا ودول المنطقة عموماً، وخاصة المجاورة لإسرائيل، عندما تجتمع سيادتان بأي دولة مهما كانتا فأنها لن تعود دولة بل تتحول كمسمى لحدود جغرافية معروفة فقط، نصبح أمام دولتين.
 لكن بالمقابل هنالك سيادة أعلى من الدول وهي سيادة الحضور الدولي الأقوى من دولنا في هذه المنطقة الملتهبة إسرائيلاً ونفطاً. سأضرب مثالاً: لكل الطوائف والأديان قوانين أحوالها الشخصية الخاصة بها في سوريا قبل الأسد وبعده. لقانون الأحوال الشخصية سيادة مطلقة، بالنسبة لاتباع هذه الديانات وهذه الطوائف لا يمكن التلاعب بها، إلا عندما تريد السيادة العليا للسلطة المطلقة ذلك وبالقوة، فهل كان الأسد قادراً على إيجاد قانون مدني موحد إلى جانب قوانين الأحوال الشخصية لو أراد، وترك الحرية للناس تختار قانونها؟ نعم. من فرض نفسه سيداً مطلقاً على سوريا، ستكون هذه المسألة بالنسبة له مسألة سهلة، كأي ديكتاتور بالعالم. لكنه لم يكن بوارد هذا الأمر، بل كان مصراً على إدارة سيادته المطلقة، بطريقة تمنع أي تغير على العلاقات المجتمعية، خاصةً إذا كانت تحمل بذوراً تقدمية شاملة بالمعنى الايجابي للمفردة. لكن هذه السيادات القانونية، هي سيادات خاصة وفرعية، لأنها لا تشارك لامن قريب ولا من بعيد، بأي قرار سيادي على المستوى الوطني. لهذا  كانت السيادة العليا- وهي تعني الدولة ذاتها في الأساس- للأسد.  ولهذا يتم تناول هذه السلطة بوصفها سلطة فردية مشخصنة، استولت بالقوة العارية، وبحماية من السيادة الأعلى دولياً على القرار الوطني داخل سوريا.
 هنالك من يعيد أحد أسباب الوضع الذي نعيشه، إلى وجود هيمنة سنية موروثة على المجال العام، وكان الأسد قد لعب على هذه النقطة لكي يصبح له، رجال دين ودار إفتاء لم تكن وظيفتها سوى الإفتاء بما لا يزعج الأسد وسيادته العليا. أما الحديث عن هذه السيادة السنية على المجال العام- سيادة الدين خارج الدولة في الشارع- فهي لم تكن موجودة لا في عهد فرنسا ولا في العهود اللاحقة. لم تعرف سوريا في تاريخها نموذجا لدولة دينية، أقله منذ خروج الاتراك. فأنت كما تستمع لصوت الآذان تستمع لأجراس الكنائس.
 اعتقد لو كانت الاكثرية الموضوعية في سوريا مسيحية أو شيعية- مثال إيران- سنجد ما نجده بسوريا، لايمكن الحديث عن سيادة سنية موروثة! هذا واقع موضوعي أكثر منه تنضيد معاصر ولحظي لتاريخ متوارث، لأن الشارع لا سيادة له أساسا في ظل الديكتاتورية، حتى منع الإفطار في الشارع كان قراراً من السلطة السياسية، ومع ذلك المفطر لا يقترب منه أحد لا قبل الأسد ولا بعده، أما تحميل الموضوع لسيادة خارج سيادة الأسد اعتقد هنا نخطئ،  كما أن الطوائف التي ليس لها قانونها الخاص في الأحوال الشخصية سوريا، ليس نتاج سيادة قانون الأحوال الشخصية السني، بل هذا يتعلق بتعاليم تلك الطوائف وسريتها.
 نريد أن نجعل من السلطة مسألة وندرسها ونحلل فيها، فنرمي الحمل أحياناً على التاريخ واحياناً آخرى على الشارع، أو على الأكثرية الموضوعية أو الأقليات الموضوعية. رغم أننا لا نجد مسألة إشكالية في ذلك. لكن الاشكاليات الحقيقة التي يجب البحث فيها، هي الاشكاليات المتعلقة بنتائج وجود وسلوك هذه السلطة المطلقة للأسد على البلد، سلطة لم يشاركه بها أحد، بل يعمل عنده. لأنه كما هو معروف في تجارب الشعوب، لم يخرج مجتمع في العصر الراهن معافى من الديكتاتورية التي كانت تحكمه.
 ومجتمعنا ليس مختلفاً عن بقية المجتمعات، اسمع أصوات أجراس الكنائس وأنا أكتب هذه المادة. فهل هنالك سيادة عامة مسيحية- الدين العام- كما يسميه المفكر السوري ياسين الحاج صالح، إلى جانب سيادة الدولة في دول أوروبا؟ هذه ديكتاتورية ياجماعة مستمرة منذ أربعة عقود ونصف، متخلفة وجاحدة تجاه بلدها، وتفرض وفرضت ما فرضته بقوة القتل والسلاح. سلطتها واضحة، لكننا مختلفين على ما سببته وعلى طبيعتها! إلا أن كل هذه الخلافات تقف عاجزةً أمام برميل يلقيه الأسد على الأطفال والنساء، ولا علاقة لها لا بسيادة سنية عامة، ولا بسيادة علوية خاصة. سلطة فاقت سلطة من قال" أنا الدولة"،  لأنها أصبحت مع الوريث" أنا الله والدولة معاً". لهذا يصلون فوق صورته، وهو يسبح في بحر من الدم، لكي يمنع أي نوع من أنواع المشاركة للناس في مصيرهم.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق