الذاكرة والنسيان

الذاكرة والنسيان
القصص | 15 أغسطس 2014

احتفلت الأوساط الحقوقية الأرجنتينية مؤخّراً بحدثٍ إنساني هام. فقد تمكنت استيلا كارلوتو البالغة من العمر 83 عاماً ورئيسة منظمة "جدات ساحة أيار"، من إيجاد حفيدها بعد 36 عاماً من ولادته وانتزاعه من أحضان أمّه التي سرعان ما جرى تصفيتها كما حصل مع أكثر من 30 ألف ناشط سياسي أرجنتيني ضد حكم الطغمة العسكرية التي حكمت البلاد بين 1976 و 1983. وقد جرت العادة على أن يتم تبني هؤلاء الرضّع من قبل عائلات العسكريين أو حتى المسؤولين المباشرين عن تعذيب أمهاتهم. وفي أحيان نادرة، جرى التبني من قبل عائلات عادية، كما في هذه الحالة الجديدة. وقد عملت منظمة "الجدّات" على بناء بنك وطني للمعلومات الجينية في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، استطاعت من خلاله اثبات العلاقة الأُسرية لأكثر من 114 من أبناء المناضلات المفقودات اللواتي يقدر عدد من وضع منهن أطفالاً قبل التصفية بقرابة 500. 
خلال سنوات الحكم العسكري، واجهت الطغمة، كما كل الديكتاتوريات، مطالب الشعب ونخبه الناشطة في الديمقراطية، بأشكال متنوعة من القمع. فجرت عمليات اعتقال وتعذيب واختفاء قسري طالت الآلاف من اليساريين الديمقراطيين (حينها لم يكن اليسار البافلوفي قد نمى وعزل اعضاؤه عن طلب الديمقراطية ودفعهم في أحضان العسكر والعسس). ولم تنجح العملية الانتقالية في إنهاء هذه المرحلة إلا بإقرار عفو عام عن جرائم الديكتاتورية هذه، مما سمح بانسحاب رموزها من الساحة السياسية إلى حين، وبالإعداد للدستور الجديد وللانتخابات. 
بالمقابل، لم يتوقف المجتمع المدني الأرجنتيني عن تجميع الأدلة حول الانتهاكات التي ارتكبت خلال هذه الفترة السوداء من تاريخ البلاد. حيث لم تؤثر رغبة الأطراف السياسية في انجاح عملية التحوّل بأقل الخسائر في أن تُبعد المنظمات المدنية بأنواعها عن القيام بعملها الأساسي والذي سيسمح، بعد الاستقرار السياسي النسبي، في العودة إلى فتح ملفات الجرائم المرتكبة وتعزيز المصالحة وتبيان الحقيقة وتعويض المتضررين وبناء الذاكرة الجمعية التي ستساعد لاحقاً على عدم إعادة إنتاج هذا المقطع التاريخي الأغبر. أهم المسؤولين عن هذه الحقبة، "يورغ فيديلا" و "رينالدو بينون" اعتقلا ولو بعد حين، وفي عتي العمر، ليخضعا إلى محاكمات ادانتهما بالسجن لفترات طويلة. حيث ما زال بينون يودّع الحياة في معتقله ومات فيديلا في سجنه السنة الماضية.
دعاني صديقي رئيس جامعة "3 شباط" في العاصمة، اللبناني الأصل، هانيبال الخوزامي، أن ازور متحف الذاكرة الواقع في عين مكان الإعتقال والتعذيب والإخفاء إبّان تلك الحقبة. المكان هو مبنى كلية الميكانيك المشؤوم وسط العاصمة وتحمل جدرانه كما أروقته وسراديبه "عبق" الألم وصدى الصرخات التي أطلقها آلاف الأبطال الذين ساهموا، أحياء أو موتى، في عودة الأمل إلى أمة بكاملها. وقد تم تحضيره الآن ليكون شاهداً توضيحياً وتعليمياً فعّالاً. إنها الذاكرة الضرورية لبناء المستقبل، وبدونها، بكافة حمولتها المؤلمة، لا يمكن أن يؤسّس لمجتمع جديد يطوي صفحة الألم والانقسام والتمزّق. 
كم من متاحف للذاكرة ومواقع للذكرى ستملئ مدن سوريا مستقبلاً؟ وكم من الأطفال والبالغين سينهلون علماً بماضٍ اقترف جزء من أهاليهم قسماً منه، وجزء آخر من أهاليهم كانوا ضحية فيه؟ إن الذاكرة هي من أهم مقومات إنجاح مسار أي عدالة انتقالية مبتغاة لدرء الدمار النهائي والانقسام. والذاكرة المقدّمة بشكلها الشفاف والصريح أساسية أيضاً لتلقين الأجيال المقبلة درساً تاريخياً يُنهيها عن إعادة إنتاج المقتلة. إحياء الذاكرة هو جزء من عملية بناء المستقبل ويحتاج إلى عمل علمي ومنهجية دقيقة حتى لا يساهم في تأجيج الرغبة في الإنتقام ولمساعدة طائر الفينيق السوري للخروج من الرماد.


مقالات الرأي لا تعبر عن رأي روزنة بالضرورة انما تعبر عن رأي كاتبها.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق