الخلافة والزمن الجميل

الخلافة والزمن الجميل
القصص | 17 يوليو 2014

يتخذ التاريخ رمزية مختلفة كلما ابتعدنا عنه، حتى لو كان زمناً قريباً، مثل الزمن الذي يتحسر عليه الكثيرون باعتباره (الزمن الجميل)، أي زمن الخمسينات والستينات في بلادنا. تظهر كثير من الصور والأغاني بشحنة رومنسية هائلة، تحت مسمى الزمن الجميل، زمن السينما والأغاني الطويلة المليئة بالحب، زمن القُبل الخجولة في مشاهد سريعة تمر قبل أن تملأ العيون الجاحظة.
ننسى أنه هو نفسه زمن النكبة، والزمن الطبقي، وزمن الخسارات الحربية، وزمن القلة القليلة التي امتلكت ثروة تمكّنها من الظهور البسيط والمعبر فاحتلت الشاشة والذاكرة، لأنها هي وحدها تمتلكه. كانت الرومانسية لإخفاء قساوة الواقع، وانفصال تلك الطبقة عن بقية الناس. إذا أردنا أن نعرف ذاك الزمن الجميل كواقع علينا أن نسمعه ممن عايشوه ولم يموتو بعد، سيحكون لنا عن الفقر الأسود، وعن الملابس التي تتدرج حتى الاهتراء من جيل إلى جيل. سيحكون عن التعليم باعتباره هبة لا تصل إلا لأصحاب الحظوة، وعن مدينة الأنوار التي يصبو إليها كل من يحلم بأن يتعلم فك الحرف في مدرسة حقيقية وليس تحت عصا المشايخ، سيحكون أنه مر وقت طويل قبل أن يشبعوا الخبز، ولن يتغنوا بالحارات الجميلة، وإنما بالقرى وأنوار الكاز، وبالتنور والملابس التي تنفض عليه لتخليصها من الحشرات. 
وعندما جاءت أنظمة الديكتاتوريات العسكرية، منحتنا التعليم السيء والغذاء السيء، والبيوت السيئة، فأعطت فوق تصورات الفقراء، وخارج مجال رؤيتهم السابقة. ومرت عقود قبل أن يدركوا أن تلك ليست هبات الحاكم، وإنما حق الناس بأبسط شروط الحياة التي يجب أن تقدمها الدول لشعوبها. وبين الحقوق البسيطة وهبات الحكّام، استفحل استبداد الظالمين حتى ظنوا أنهم آلهة البلاد.
في فكرة الخلافة ما يشبه ذلك، مئات السنين من الظلم، لا تبقي في الذاكرة سوى جماليات ما مضى، فيتناقل الناس ما يروى، ولا يروى غير الجميل الذي يعاكس الواقع الحالي. الحنين إلى العدالة والمساواة، حنين بشري طبيعي، وهدف يصبو الجميع إليه. غير أن ذاك الحنين، يتساقط منه كل مالايعجبنا، فنبقي على جماليات الذاكرة والمرويات. يبقى ما يشبه تلك المسلسلات الحديثة التي تستعيد الماضي بنكهة خلا منها الماضي، فتظهر الجماليات في كل مكان، حتى الخلافات والحروب تبدو مرويات جميلة لتحقيق تلك العدالة المنشودة وإحقاق الحق.
وعندما يتم إطلاق مسمى الخلافة على ما قامت به داعش اليوم، يشعر الناس بانتقاص فكرتهم تلك، وقتل لحلم حنينهم ذاك، فلا تناغم بين فكرة القتل والصلب، وبين ذاك الحنين المروي شفاهياً أو مشوه بصرياً بسيناريو كتاب الأمس.
لا تناغم بين فكرة العدالة المطلقة، وبين ما يقوم به خلفاء اليوم، ومريديهم على أرض الراوي الحانّ للماضي، لا مجال لتصديق أن الأمس يشبه ما يجري اليوم. ولا رغبة باستعادة ذاك الماضي بنسخته العصرية، فما يتم استعادته فقط ليس أمجاداً جاهزة، ولا حرباً منتصرة، ولا فتوحات عظيمة. فما يتم فتحه اليوم هو أرضنا ذاتها، وقلوب أهالينا، وما يتم قطعه اليوم ليس دابر الفساد والظلم، وإنما رؤوس أهالينا.
لا قبول لتلك المقولة اللعينة التي تغنّينا بها مئات السنين، عن شاعر جبانٍ أكدَّ السيف أصدق أنباءً من الكتب، وأن لا مزاح مع ذاك السيف الذي قطعَ رأس الهزل لصالح الجد. الجد الوحيد هنا، هو أننا مثل ذاك الشاعر لا نتملك سوى الكلمات لنعرف أن الخلافة لا تولد مرتين، وأن أي ولادة أخرى، هي مثل تقمصٍ متسلسل للاسوأ، فالإنسان إن لم يتقن حياته الأولى، فالأولى به أن يولد حيوان في جيله الجديد.
وهو ما يحصل مع خلافتنا المتقمصة الجديدة.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق