التسلية المأساة

التسلية المأساة
القصص | 13 يوليو 2014

 تعيد قصة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" اليوم إلى الذهن إحدى قصص الكاتب التركي الساخر عزيز نيسن التي تتحدث عن شكوى طبيب وصيدلاني ومحام وشرطي وخياط من تعطل أحوالهم وشح مواردهم. بعد حين تحدث مشاجرة كبيرة في الحي: اعتداءات وجرحى ومظلوميات وتمزيق ملابس ..الخ، فيجد الطبيب عملاً وفيراً وكذا حال بقية المهنيين الذين تنحل مشاكلهم جميعاً جراء وقوع المشكلة في الحي. مشكلة تحل مشكلات. مشاجرة كبيرة تجعل ماكينة مصالح "المهنيين" تدور. فقط يجب أن تبقى المشكلة بعيدة عن "المهنيين" الذين تقوم مهنهم على معالجة أحوال من تأذوا بفعل المشكلة.

لا يمكن للمراقب، مهما كان عقلانياً وظاهرياً لا يستبطن الأمور، أن يكبح الأسئلة الكثيرة التي تولدها ظاهرة "الدولة الإسلامية في العراق والشام". كيف لتنظيم حديث الولادة نسبياً، ويناصب العالم كله العداء بما في ذلك التنظيم الأم للقاعدة، أن يحقق هذا التقدم العسكري المذهل وأن يفر أمامه جيش بحاله؟ كيف تتقدم "الدولة" هذه المسافات ويسيطر على هذه المساحات الواسعة بهذه السرعة تحت نظر الدول الكبرى والصغرى ودون أن يكون له سلاح جو يؤمن له التغطية الضرورية؟ ومن أين له الأسلحة التي تخيف جيش دولة كالعراق، في حين اجتهد واجتهد "الجيش الحر" في سوريا، عبثاً، لكي يحصل على أسلحة نوعية تخلق نوعاً من التوازن مع جيش النظام السوري. علماً أن وراء هذا الجيش هيئة سياسية "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" وراءها مجموعة دول من "أصدقاء الشعب السوري" تتجاوز 70 دولة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي؟

لا يمكن أن يتم تمدد الدولة الإسلامية، دون تواطؤ من جانب السلطات العالمية التي كان يمكنها بسهولة، لو شاءت، رد هذه الظاهرة البالونية إلى حجمها الطبيعي الذي هو جماعات مسلحة متمردة لا أكثر. وليس إعلان الخلافة من جانب "الدولة" التي تخلت عن تحديد مجالها الجغرافي "العراق والشام" لصالح المجال العالمي المفتوح بأن باتت "الدولة الإسلامية" هكذا بإطلاق، أقول ليس إعلان الخلافة سوى الطعم الذي التقطه "الخليفة" وسوف يدفع ثمنه مع تنظيمه في الفترة القادمة.

"مشكلة" تمدد "الدولة" في العراق وسوريا تحلُّ مشاكل العاملين على استقرار النظام السياسي العالمي من ناحيتين، أولاً من حيث جعل "الدولة" واجهة للتمرد ضد النظامين في العراق وفي سوريا بما يخدم استمرار كلا النظامين ويحرم الجمهور الثائر هنا وهناك من التغيير المرجو. هذه الواجهة المتخلفة سياسياً وفكرياً وأخلاقياً تحيل الفاعلية التمردية للجمهور إلى ما يقارب الصفر. وثانياً من حيث تحول "الخلافة" إلى نقطة صراع "جهادية" داخلية تستهلك طاقة الجهاديين وتمتصهم إلى هذه البقعة المنكوبة من العالم. ذلك أن الخلافة تتطلب المبايعة العامة من كافة الجهات الجهادية أو الدخول في الحرب مع دولة "الخلافة" ما يفتح الباب أمام صراعات بين الجهاديين تأتي على خطرهم الخارجي وتقوضهم من الداخل.

لا يكلف الأمر أمريكا سوى المراقبة وترك المسرح العالمي يشهد مفارقات تاريخية مسلية كأن يظهر في الواقع من يتقمص شخصية الخليفة "أبي بكر" في اللغة والزي ويستخدم منتجات حديثة أمام فمه وفي معصمه، وتنقل الحدث تقنيات حديثة أيضاً من الكاميرات المتعددة وأجهزة البث والانترنت .. الخ. المأساة الفعلية تتحول في جانب منها إلى تسلية مثيرة تخفف من وطأة الملل وتبعث الحياة في التلفزيونات.

وفي السياق نفسه، ترتفع قيمة "القادة" العسكريين والسياسيين في الشرق الأوسط (مكان أو لوكيشن العرض) ويجدون من يستمع إليهم قليلاً بمناسبة هذا العرض، وتنشد انظار الناس إلى القادة العسكريين والسياسيين العالميين الكبار طمعاً في طمأنينة ما تحملها تصريحاتهم.

هكذا تصبح السذاجة، وطاقة القهر والظلم العام، والشهوة العمياء إلى السلطة، ونزعة النكوص إلى ماض سعيد متخيل ..الخ مجرد وسائل في يد مكر القادرين والممسكين بزمام الأمور العالمية يصنعون منها عرضاً مأساوياً مسلياً يخدم في الواقع أغراضاً دنيئة لا علاقة لها بآمال الناس الذين تقع أوطانهم في المكان الذي يجري عليه  العرض.


مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجه روزنة 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق