انتشار الطباعة وديمومة الجهل

انتشار الطباعة وديمومة الجهل
القصص | 27 يونيو 2014

بدلاً من تشجيع ظاهرة الإتكاءِ على الآخرين والاستسلام للقدر انحازتْ الحِكْمَةُ الشَّعبيَّة لصالح التَعلُّمْ بالاعتِمَادِ على الذات حين فضَّلَّتْ تَعْليمَ الصيد للمُحتاج بدلاً من زَقِّهِ بالسمك. لكنَّ جلَّ أنظمتنا السياسية دأَبتْ طوال عقود من الزمن على ديمومة حالة الإتكال والتقليد واستمرار الطَّفالَة باعتِمادِها أساليب تربَويَّةٍ وتعْليميَّةٍ تقوم على التلقينِ والإتباع، وذلك لضمان سيطرتها وديمومتها. هذه الأنظمة التي ينطبق عليها، في واقع الحال، ما جاء في الحديث الشريف "كما تكونوا يُولىَّ عليكم". هذا من جهة الأنظمة والحكومات أمَّا من جهة الثقافة ودُعَاتِها، فهنالك سؤالٌ مُحَيِّرٌ قد يَصفَعُنا جوابه: لمنْ إنحازَ كُتَّابُنا؟ فبعد هذا الكم الهائل من الأطنان التي استهلكناها، من ورقٍ وحبرٍ وماشابه، مذْ دخلتْ المطبعة بلادنا أول مرة، سواء في لبنان أو في مصر لاحقاً مع حملة نابليون في العام 1801م، بالإضافة للعدد الكبير من الجرائد والمجلات التي أنشأناها لحد اللحظة، والتي نفتخرُ بها ونُطالب بالمزيد منها، يَحقُ لنا التساؤل إذا ما كان كلُّ ذلك النِتاج من باب التشجيعِ على الإبداعِ والابتكار والاعتمادِ على الذات، وفي خدمة العلمِ والتَحرَّرِ أمْ في خدمة السلطان وآداب السلطان؟ وماذا قدَّمنا بعد كلِّ ذلك؟ وفي أي مجالٍ من مجالات العلوم برعنا؟ وأي مدرسةٍ فكريّةٍ أو نقديةٍ أسَّسنا؟ وما الذي قدَّمَهُ لنا كُتَّابُنا، بالأخص أولئك أعداء السلطان، النور أمْ المزيدَ من العتمةِ والجهلِ والضياع؟ كُتَّابُنا الذين دأبوا على تبشيرنا بالحقيقة وبالحرية، من خلال أعمالهم ومقالاتهم، هل كانوا يساهمون في بقائنا على ما نحن عليه، أي أطفالاً ننتظرُ من يُرضعنا ويُطعمنا ويسهر على راحتنا، كما فعلتْ الأنظمة، أمْ على يقظتنا وانعتاقنا؟ وإنْ كان كذلك فعَلامَ يدلُّ واقع الحال حيث سَلاطينُنا، على سبيل المثال، وهم على ما هم عليه، ما زالوا يبذرون أموالهم بلا انقطاعٍ أو حرج لاستمرارِ مَنابرنا التي تَضجُّ بعباراتٍ تُمَجدُ الحقيقة وطلب العلم والمعرفة، وتنادي بالحُرِّيَّة والعدالة والمساواة. فكمْ هو جذابٌ وأنيقٌ ذلك الفخ الذي تم نصبهُ لنا تحت يافطة "نشر العلم والمعرفة" مذْ دخلت المطبعة بلادنا أول مرة إذا ما صّحَ قولنا: على ما أنتم يُحافِظُ كُتَّابُكم؟!.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق