الأسيتون والبنزين.. إدمان جديد في شوارع دمشق

الأسيتون والبنزين.. إدمان جديد في شوارع دمشق
تحقيقات | 26 يونيو 2014

مصطفى عباس - دمشق||

أطفال تتراوح أعمارهم بين الـ 7 والـ 15 عاماً، يتجمعون على أرصفة الشوارع وأمام الملأ في العاصمة السورية دمشق، تراهم يحملون أكياساً بلاستيكية يستنشقون عبرها. إنه نوع جديد من الإدمان أصبح مألوفاً للأعين وفي الشوارع العامة، "إدمان المذيبات الطيارة" مثل الأسيتون والبنزين والمواد اللاصقة، انتشر في السنوات الأخيرة بين الأطفال والمراهقين، حيث يبدأ الأمر من باب التجربة وإثبات الرجولة بين الأصدقاء ويستمر البعض في هذا الإدمان لسنوات عديدة.

  

يتعاطون في العلن

في إحدى ساحات دمشق عند الساعة الحادية عشر ليلاً ، مجموعة من الأطفال يجلسون بشكل رتل على أحد الأرصفة وكل منهم ممسكاً بكيس بلاستيكي، واحد منهم سقط في الأرض وبدأ بالصراخ، وبجانبه ولدان آخران يستنشقان الكيس بقوة دون الاكتراث بما يحصل ، عند اقترابي كانت لهجة الطفل عنيفة وكأنه يعيش في عالم مختلف، طلب مني النقود لكي يشتري مضاداً للصداع وهو يصرخ بشدة.

أحمد طفل لم يتجاوز الحادية عشرة يقول :" استنشقت مادة "الشعلة" لأول مرة منذ 3 أشهر، منذ ذلك الوقت وأنا أستنشق المادة يومياً مع أصدقائي في الشارع بعد الانتهاء من عملي المتمثل إما في بيع الورود أو مسح زجاج السيارات أو التسول" يضيف أحمد: "عند استنشاقي للمادة أغيب عن الوعي، وأحياناً أصاب بصداع في الرأس، ولكن لا يهم، فأنا أريد أن أشعر بالسعادة ولو لمدة ساعة واحدة في آخر النهار".

أما برهان (13 عاماً) فهو يستنشق المادة منذ أكثر من سنة، تعرض خلالها لنوبات عديدة تشبه نوبات الصرع، يقول في حديثه لموقع روزنة: "لا أستطيع التوقف عن الاستنشاق، بدأ الأمر كتجربة مع أصدقائي والآن أصبح روتين يومي، أحياناً أقوم بالعملية أكثر من مرة في اليوم الواحد، وفي بعض المرات استيقظ في مكان بعيد تماماً عن المكان الذي غفوت فيه".  

  

آثار مميتة

تشير تقارير طبية إلى أنه عند استنشاق هذه المذيبات، تحل أبخرتها محل الأكسجين بنسبة عالية، ما يؤدي إلى دوار شديد ينجم عن نقص الأوكسجين في الدم، وبالتالي نقص تروية الخلايا الدماغية بكمية كافية من الأوكسجين، وإذا طالت مدة استنشاق الأبخرة، قد تنتهي الحالة بالموت بسبب الاختناق.

تصل المركبات الطيارة بعد استنشاقها سريعاً الى المخ وإلى الدورة الدموية و خلايا الجسم وأجهزته. وبسبب سمية هذه المركبات فإنها مع الوقت تسبب تلف الأعضاء التي تلامسها وخاصة في مستوى القصبات الرئوية والرئتين والكبد والكليتين والدماغ وجميع كريات الدم.

يبدأ تأثير مادة الشعلة بنوع من التنبيه والاستثارة الذي يولد إحساساً بالنشوة، بالإضافة إلى دوار مقبول ومستعذب وتستمر هذه الحالة من السكر تبعاً للمقدار المستهلك حوالي (15-45) دقيقة؛ ومن الممكن إطالة المدة إلى عدة ساعات إذا استمر استنشاق الأبخرة من وقت لآخر، وقد يحدث في هذه المرحلة أن بعض الأفراد يفقدون توازنهم وتختل عندهم الأفكار والآراء، ويضطرب إدراكهم للألوان والأصوات وأشكال الأشياء. ويصابون بنوع من الهلوسة في الرؤية أو السمع؛ أي أنهم يتوهمون رؤية بعض الأجسام أو يسمعون بعض الأصوات التي لا أصل لها.

وقد تقود هذه المركبات إلى آثار جانبية: كالسعال الشديد وآلام الرأس واقياءات متكررة، وتخرش العيون والأنف والحلق. وكلما كان تركيز المركبات الطيارة عالياً في الخلايا الدماغية، كلما تسارعت حالة النوم حيث ينتهي الأمر بفقدان الوعي. وحالما يعود إلى اليقظة يبدو عليه أنه ينسى كل ما حدث والآثار التي أصابته من جراء استهلاك هذه المركبات.

   

بديل لمهدئات الأعصاب

يبدو أن هذا النوع الجديد من الإدمان أصبح بديلاً عن تعاطي الحبوب والمهدئات العصبية التي انتشرت على نطاق واسع جداً خلال السنوات الماضية، فهي رخيصة الثمن و يبلغ سعر علبة الشعلة من الحجم الصغير 25 ليرة سورية ، كما أنه لا يوجد أي قانون يمنع بيع هذه المادة في المحال لأنها تستخدم في مجالات حياتية يومية عديدة، بالمقابل يتطلب شراء الحبوب المهدئة مبلغاً كبيراً خصوصاً أنها لا تعطى من دون وصفة طبية، وفي حالات التجارة السوداء يكون المبلغ المدفوع أكبر.

عمر لديه تجربة مختلفة في استنشاق الشعلة فقد كان يتعاطى مهدئات للاعصاب، لكن سعرها المرتفع جعله يتحول لتجربة استنشاق الشعلة " فهي سهلة الشراء و لها أثر مشابه، وفي إحدى المرات التي استنشقت فيها أكثر من علبتين شعلة غبت عن الوعي، وعندما استيقظت وجدت نفسي في أحد البساتين التي تبعد حوالي كيلو متر، عن منزلي وأنا ممدد في الشارع".

لعل غياب الرعاية الأسرية وعدم وجود معلومات لدى الأهل عن آليات استخدام هذه المادة كنوع من الإدمان يجعل أمر التعاطي فيها سهلاً على أي طفل أو مراهق يحاول تجربة شيء جديد وعصري ورخيص الثمن ويعطي مفعولاً شبيهاً بباقي أنواع المخدرات.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق