إسلاميو سوريا واستنساخ الثورة الإيرانية

 إسلاميو سوريا واستنساخ الثورة الإيرانية
القصص | 03 يونيو 2014

بدأت إجراءات تأسيس الفاشية الخمينية في إيران، بعودة الإمام الخميني من نوفيل لو شاتو إلى مدينة قم. واستقبلته جماهير إيران (بل وقوى إيران السياسية بما فيها العلمانية) بزخم نادر. ربما لما عانته على أيدي السافاك في عهد الشاه. ووقف الكثيرون مما كان يسمى آنذاك "معسكر الثورة العالمية"، بما في ذلك قوى دينية كلاهوت التحرير مع الخميني، ومدح الكثيرون من المفكرين والمثقفين والأدباء العرب، وغير العرب (وليس أدونيس فقط) الثورة الإسلامية، ونشرت كبريات الصحف العربية على صفحاتها الأولى وباللغة الفارسية، نبأ انتصار" الثورة " بصيغة تدل على انتصار الخميني، أكثر مما تدل على انتصار الثورة، أو على تماهي الثورة بشخص الخميني.

وكانت العبارة الفارسية التي غزت الصفحات الأولى للصحف وأغلفة المجلات حينئذ هي: "بهمت خمينيي شاهنشاه درباً شده" –وتعني: بهمة الخميني سقط الشاه- ربما لأن الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي كانت تعني لحملة مشاريع التحرر من هيمنة أميركا وإسرائيل في ذلك الحين تحقيق نصر على أميركا وإسرائيل ضمن واحدة من قلاعهما. ما حدث بعدئذ هو تصفية القوى الكبرى والصغرى مثل:مجاهدي خلق، ومنظمة البيكار، المكرسة تاريخياً أو الناشئة حديثاً مثل:حزب تودة، وفدائيي خلق.  وكونت الطغمة الدينية قانوناً "ديمقراطياً" تتصارع فيه "تياراتها فقط" تحت قبة البرلمان أو على المناصب السيادية في السلطة. 

ما تطرحه وتمارسه مشاريع القوى الفاشية الدينية في سوريا مماثل في جوهره لاستبداد ملالي إيران في أفضل أحواله. وهو على أي حال أدعى للخوف على مستقبل المجتمع السوري. فهذه القوى قابلة للنمو بفضل ممارسات النظام الهمجية، وبفضل تطييف الصراع، الذي ساهمت فيه بعض أطياف المعارضة السورية بقدر ما ساهم فيه النظام، وبسبب غياب تعبيرات قوية تمثل القوى الديمقراطية والليبرالية والعلمانية. فبعضها ملحق بالنظام وبعضها الآخر ملحق بالحركة الدينية بصورة أو بأخرى. والقلائل يمثلون توجهاً ديمقراطياً مستقلاً حقاً، في ظل مشاركة محدودة في الصراع بوجهيه السياسي والعسكري لشعب مغلوب على أمره. 

لا تحتاج سوريا إلى نسخ "الثورة الإيرانية" وتبييئها، واستبدال ملالي الشيعة بملالي أهل السنة والجماعة، ولا يمكن أن تحدث ثورة سياسية (سياسية فحسب) تستبدل الشكل (الشكل فحسب) الاستبدادي للسلطة بشكل ديمقراطي، على يد من يعلن صراحة أن الديمقراطية بدعة وضلالة! بل ويمارس قمعاً عارياً فجاً في المناطق التي يسيطر عليها. وبافتراض أن "داعش" كما يذهب البعض صنيعة النظام وعميلة له، ماذا عن النصرة وزهران علوش والمحاكم الشرعية في حلب وريفها، والعديد من "الفرمانات" التي تعكس روح المستبد بأبشع صوره؟ لا يمكن أن تكون البلاد ديمقراطية والمسيحيون والأكراد فيها، على سبيل المثال، ذميون ومواطنو درجة ثانية. طبعاً يلفت الانتباه بعض المواقف لبعض المشايخ مثل الدكتور جودت سعيد (وأمثاله القلائل) الذين يرون أن غاية الرسالات السماوية هي الديمقراطية، وتطور حال الانسان. وهؤلاء كما أعتقد ممن تكفرهم القوى الفاشية. 

لا يتيح الواقع الديمغرافي لسورية، أن تكون الدولة فيها "سنية عروبية" و"ديمقراطية" في الوقت نفسه. ولا يتيح إضفاء الطابع السني العروبي على الثورة السورية سوى فشل ذريع لأي مشروع ديمقراطي وإلغاء وإقصاء مسبق لباقي الطوائف والأعراق. ولعل قدر الثورة السورية هو أن تكون سورية أولا تكون، ففشلها ما لم تكن سورية بكل ما لهذه الكلمة من أبعاد، لن يكون عسكرياً بل بنيوياً . فالكثيرون من المغلوبين على أمرهم، تحت وطأة الحرب والسلاح، من السنة وغيرهم لا يقبلون إعادة إنتاج الاستبداد بلبوس قومي أو ديني لأن ذلك لا يعني إلا إطالة أمد الصراع، وزيادة الضحايا المجانية، أو انتصار الفاشيست بلبوس ديني.

 وتتجسد خطورة من يدعي أنه خليفة الله على الأرض في أن وسيلته الوحيدة للتعامل مع مجتمعه هي: القمع العاري وبأبشع أشكاله! وهو لا يهمه طبعاً ضياع الفرصة التاريخية لإقامة عقد اجتماعي بين أفراد المجتمع يتيح لهم دخول العصر، بل يهمه الابتعاد عن معطيات العلوم "الوضعية" التي تمس سلطته المخبأة تحت عباءة العلوم "الشرعية" التي تقبل أن تكون على مقاسه، لا على مقاس مصالح المجتمع. كل ما نأمله أن لا يتمكن النظام من جهة، والفاشية الدينية من جهة أخرى من قطع طريق التاريخ، وإعادة إنتاج الاستبداد بأي لبوس كان. وأن لا تستنسخ تجربة أيران المرة بما يتناسب مع البيئة السورية.

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق