أمل بما يشبه اليأس

أمل بما يشبه اليأس
القصص | 11 مايو 2014

ستعصي على السوريين اليوم الوصول إلى جواب لأبسط سؤال يتبادر إلى ذهن كل سوري: ماذا بعد؟ ماذا بعد هذا الصراع العقيم الذي حصد ما حصد ودمر ما دمر ولا يبدو أنه تعب حتى الآن؟ ماذا بعد أن استشرى العنف وسيطر الإسلاميون في أسوأ "تطوراتهم" على الحراك؟ ماذا بعد أن استسلم العالم أمام المحرقة السورية وارتضاها لسورية وراح يكتفي بتطويقها والحجر عليها مخافة أن تمتد؟ ماذا بعد أن انقسم المجتمع السوري على أسس طائفية بشكل لا سابق له؟ ماذا بعد أن بات السوريون ضحية قطبين في صراع كنس أحلامهم وردّهم إلى لحظة بشرية بدائية خالية من "رفاهية" السياسة وسخف الثقافة، لحظة البحث عن الأمن والغذاء؟ لم يكن الحلم الذي لاح لعيون السوريين في بداية ثورتهم بعيداً كما هو عليه اليوم. الحلم بالتحرر من الاستبداد الذي يحمي الفساد العام ويذل السوريين ويدفعهم إلى الهروب خارج البلد أو الهروب إلى داخل نفوسهم المغلوبة. بدأت الثورة بتظاهرات حاشدة مليئة بالحياة والتطلع، بعيون آملة متحدية، بشباب يهتفون وهم يقفزون في أماكنهم شوقاً لما يطمحون إليه، وانتهت اليوم إلى حشود هائلة من الناس المكسورين الذين ينتظرون لقمة العيش. لا يمكن لمراقب أن لا يُصدم وهو يجمع في مخيلته جنباً إلى جنب صورة مظاهرات حمص الحاشدة المتحدية، مع صورة الحمصيين اليوم وهم يعودون مقهورين إلى حمص القديمة يتفقدون أطلال منازلهم وممتلكاتهم. هنا يكمن التحول السوري اليوم، بين التطلع والانكفاء، بين الأمل والخيبة، بين العزيمة والتعب. الآن، حين يتأمل السوري حاضره يجد أن أمامه نظام مأسور لسيرته القديمة ولتكوينه الذي لا يعد السوريين بأكثر من الواقع الذي ثاروا عليه، مطعّماً بالمزيد من الأعباء الاقتصادية والمزيد من الضغائن الطائفية والمزيد من فحش "المنتصرين" وتصفية الحسابات. ويجد من ناحية أخرى أن التشكيلات العسكرية التي كان يمكن أن يأمل بأن تهزم النظام وتشكل بديلاً مدنيا وديموقراطياً عنه، سرعان ما انزاحت إلى جهات مأسورة بدورها لفكر ديني يغذي في عقول معتنقيه التطلع إلى أبشع أنواع الحكم التي عرفها التاريخ، وتشكل ممارساتهم في مناطق سيطرتهم اليوم عينة من الحكم الذي يجاهدون من أجله. وبين هذا وذاك يجد السوري نفسه مبعداً إلا من دفع فاتورة الصراع بين إرهابَين دفنا الثورة وتطلعاتها منذ أمد غير قصير وراحا يتصارعان على تركة ما بعد الثورة. السياسة التي اضطرت في بداية الحراك أن تتراجع أمام غضب السوريين، وأن تعد بتغيير ذاتها وأخذ الجمهور بعين الاعتبار، تتجاوز اليوم في علاقتها مع مادة فعلها (المحكومين) كل معيار سياسي أو إنساني ممكن. هذه السياسة لا تقف عند حد التجويع أو القتل أو الهدم، وهي لا تفعل ذلك فقط من باب ضرورات الحرب، بل من باب الانتقام والتأديب أيضاً. سياسة تتعامل مع "ناسها" اليوم كمهزومين عليهم أن يدفعوا ضريبة الهزيمة. وقد باتت هذه سياسة واحدة على ضفتي الصراع، الاختلاف يقتصر على قدرة كل سياسة ولا يطال نوعها أو جوهرها. وعلى ضفتي الصراع هناك "وعّاظُ سلاطين" يشيدون ويسوغون ويرون التحرير والاحتلال بصورة مقلوبة لما يراه "وعاظ سلاطين" الطرف الآخر. لم يعد السوريون يملكون وسيلة دفاع عن النفس أمام سياسة ربما كانت تتهيبهم قليلاً من قبل مخافة أن يثوروا، فكيف سيكون حال هذه السياسة وقد سحقت ثورتهم وامتلأت بقوتها؟ الواقع أنه فيما لو انتصرت هذه السياسة، وهو احتمال قائم رغم ضعفه، فإن حالها سيكون كحال الرجل الذي يدوس على لغم. هو يعرف أنه سيموت ما أن يرفع رجله ومع الوقت سوف تنهك قواه وسينفجر اللغم فيه. وهذه السياسة التي تنتصر بالقهر تعرف أن حجم الظلم بات كبيراً للغاية، وأن أي ثغرة تفتح سوف تتسع فلا يمكن سدها. وعليه فإنها تصبح محكومة أكثر فأكثر بالقمع وبالمزيد من القمع والتحكم بما يسرّع إنهاكها وزوالها. لا يعاكس هذا الاتجاه سوى تعب السوريين، غير أن السوريين ذاقوا الويل طويلاً وبات التنكيل مكوناً يومياً في حياتهم فاعتادوه حتى غدا ضعيف الأثر عليهم بما يعزز مجدداً اتجاه السلطات القمعية والاستئثارية إلى الزوال.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق