الربيع العربي في مرآة جزائرية

الربيع العربي في مرآة جزائرية
القصص | 22 أبريل 2014

مقالات الرأي | أول ما يتبادر لذهن من تابع انتخابات الجزائر من التحضيرات إلى النتائج أنه ليس في الجزائر أي رائحة للربيع العربي. المتنافسون "قديمون" كلهم. الوجوه الستة المتنافسة نصفها من جبهة التحرير ونصفها الآخر يدور في فلكها. المتنافسان الرئيسيان هما من أبناء النظام القديم والمرشح الأبرز (بوتفليقة) هو تلخيص مكثف للنظام القديم، الذي سبق له أن تحدى إرادة الناخبين الجزائريين في 1990 حين أعطى الجزائريون أصواتهم لجبهة الانقاذ الإسلامية في الانتخابات البلدية، وانقلب على النتائج التشريعية التي جرت بعد ذلك في الشهر الأخير من 1991. صوت الجزائريون لجبهة الانقاذ الإسلامية حينها ليس حباً بها بل أملاً في الخلاص من نظام "تقدمي" و"علماني" أرهق الجزائريين باستبداده وفساده، وتاجر باسم جبهة التحرير الجزائرية بعد أن حولها في الواقع إلى حاضنة ومفرخة للفاسدين.

قد تكون الفترة الدموية التي عاشتها الجزائر بين 1988 و1998، والتي ذهب ضحيتها آلاف الجزائريين في صراع دموي فاقد للمعنى بين جماعات إسلامية مسلحة ضد الجيش الجزائري وميليشيات من المدنيين الذين دربهم الجيش وربطهم به، من الأسباب التي جعلت الربيع العربي يرتد عن ضفاف الجزائر. ولاسيما بعد أن رأى الجزائريون والعالم التحول العنيف الذي طرأ على النسخة السورية من هذا الربيع، والذي يشبه، بصورة مكبرة، "العشرية الدموية" الجزائرية تلك.

معروف أن بوتفليقة نجح في وضع حد للمجازر الرهيبة التي طغت على عامي 1997 و1998، وهي مذابح لم توفر طفلاً أو امرأة أو شيخاً، وبأبشع أشكال القتل. وبغض النظر عما يقال عن دور الجيش الجزائري في تلك المذابح أو تغاضيه عنها وترك الحبل للجماعات الإسلامية على الغارب ..الخ، فإن مما لا شك فيه أن الجزائريين يحملون الامتنان لبوتفليقة الذي استطاع إنجاز "مصالحة وطنية" ووقف نزيف الدم الجزائري الشيء الذي عجز عنه من سبقه من الرؤساء رغم أنهم قادمون من الجيش. وأمام موجة الربيع العربي التي اجتاحت دول المغرب العربي، روّج نظام بوتفليقة في إعلامه لربيع جزائري خاص يقوم على التدرج والإصلاحات والتوافق. ويُعتبر التوصل إلى الدستور التوافقي من أهم الوعود الانتخابية للرئيس المعاد انتخابه منذ أيام.

بعد الانقلاب على نتائج الانتخابات في 1991، التي فازت فيها جبهة الانقاذ الإسلامية، لقطع الطريق على نشوء حكم إسلامي في الجزائر، الانقلاب الذي جاء على شكل تشكيل مجلس حكم عسكري وإقالة الشاذلي بن جديد، جرى اغتيال محمد بوضياف رئيس المجلس العسكري آنذاك، ليخلفه علي الكافي الذي أقيل بعد سنتين ليحل محله، بطريقة الانتخابات، الأمين زروال الذي شهدت الجزائر في فترته اسوأ أشكال العنف والمذابح حتى اضطر إلى إعلان استقالته وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 1999، فاز فيها عبد العزيز بوتفليقة الذي ظل حاكماً حتى الانتخابات الأخيرة التي فاز فيها أيضاً، ما يدل على أن الجزائريين اختاروا الاستقرار على التغيير تحدوهم في ذلك ذكرى العنف والاضطرابات والتخبطات السياسية السابقة لبوتفليقة.

يمكن النظر إلى فوز بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على أنه من علامات أفول الربيع العربي، جزائرياً على الأقل. غير أن هذه النظرة متسرعة بعض الشيء، في رأينا. في الجزائر نظام فاسد يرفضه الجزائريون وعبروا عن رفضهم في الانتخابات التي فازت فيها جبهة الانقاذ الإسلامية وقبلها في مظاهرات الجوع أو مظاهرات أكتوبر 1988. لكن مسار الثورات العربية لا يزال متعثراً في بلدان، ومدمِّراً إلى حد لا معقول في بلدان أخرى، الأمر الذي يجعل الجزائريين حائرين. وقد انعكست حيرتهم في نسبة  المشاركة الضئيلة في الانتخابات. هناك مصادر تتحدث عن نسبة لا تتجاوز 20%. وحين يتردد الجزائريون في الإقدام على التغيير ويخشونه اليوم، فمن الطبيعي أن يميلوا إلى اختيار الرئيس الذي يضمن لهم أكبر قدر من الاستقرار، وهذا ما برهن بوتفليقة أنه قادر على إنجازه حتى ولو كان على كرسي متحرك.

التغيير في العالم العربي بات مهمة مطروحة على جدول أعمال الشعوب. عدم الرضا عن الأنظمة مستشر لدى أوسع قطاعات الشعب. اندفع الناس إلى الشوارع في كل الدول العربية تقريباً مطالبة بالتغيير، على وقع الثورتين التونسية والمصرية، وبدأت موجة الربيع العربي تنكفئ فقط مع علو الصوت الإسلامي الذي ترافق مع علو صوت العنف، وبروز الدور الخارجي العسكري وغير العسكري. رغم كل شيء، فقد تغيَّر المناخ الشعبي العام الذي يحيط بالأنظمة العربية بما لا يسمح لها بالاستمرار على نهجها القديم سواء في الجزائر أو غيرها من البلدان العربية.

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق