اللاسياسة في سياسة هيئة التنسيق الوطنية

اللاسياسة في سياسة هيئة التنسيق الوطنية
القصص | 04 مارس 2014

مثلت هيئة التنسيق الوطنية التي ولدت في ظل الانتفاضة/ الثورة السورية في مرحلتها السلمية أحد القوى السياسية التي كان يراهن عليها لتكون طرفا فاعلا في الانتقال من الاستبداد إلى الدولة الوطنية الديمقراطية، حيث ضمّ برنامجها آنذاك نقاطا واضحة لا التباس فيها حول رفض العنف والطائفية والاستبداد والسلاح مع وجوب "تغيير" النظام السياسي.
وقد ظلت الهيئة محافظة على قوّة خطابها وجزء كبير من شعبيتها خلال المرحلة السلمية للانتفاضة التي لم يكن لأحزابها دور يذكر في إطلاقها إلا كأفراد، إلى حين بدء الجنوح للسلاح، فبدأ خطاب الهيئة يترنح بين رفض ما يحصل وقوة الواقع الذي يسير عكس ما يشتهون (سواء بقوى داخلية أم خارجية)، إلى أن بات أسير تناقضاته بين خطاب مفارق للواقع و سياسيات يومية تتضاد مع خطابهم من جهة ومع لاءاتهم التي لم يجر أي مراجعة لها على ضوء تغيّرات الواقع من جهة أخرى، مما جعل سياستهم مفرغة من محتواها إلى درجة أنه يمكن وسهما بـ "اللاسياسة" وهي مرض عام يتفشى في صفوف المعارضة السورية التي لم يتح لها القمع عموما مكانا لاحتراف السياسة إلا بوصفها نضالا مريرا خاضه للأمانة أغلب أعضاء الهيئة سجنا ونفيا وتشردا طيلة عقود بوجه السلطة في أوّج قوتها واستشراسها، إلا أن هذا (وللأمانة أيضا) لا يكفي، إن لم تُستثمر تلك النضالات والأثمان سياسيا في نهاية المطاف.
أوّل تناقض وقعت به الهيئة ولا تزال هو احتضانها لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي شكّل ميليشيات مسلحة هيمنت على المناطق الكردية بقوة السلاح، في الوقت الذي لا تزال فيه الهيئة ترفع شعار "لا للتسلح" دون أن تجري أي مراجعة. حجتهم في ذلك أن السلاح جاء بدعوى حماية المناطق الكردية من هجمات داعش والتكفيريين الذين تحوّلوا شماعة لا أكثر ولا أقل، في الوقت الذي يقوم فيه الحزب المذكور بإعلان الإدارة الذاتية، مقصيا أطياف كردية أخرى بقوة السلاح، ويضع قوانين للإعلام كان آخر إنجازاتها منع راديو "آرتا" من بث الأخبار واعتقال صحفيين، عدا عن الشبهات الكثيرة التي تحوم حوله عن تعاون وتنسيق عسكري مع النظام، حيث تأتي التظاهرة المؤيدة في القامشلي مؤخرا لتلقي ظلالا كبيرا حولها. الهيئة التي تبرر لهذا الحزب حمل السلاح لحماية النفس، رفضت نفس الحجة حين قررت أطياف من المعارضة حمل السلاح للدفاع عن النفس بوجه قمع النظام!
التناقض الثاني الفاضح للهيئة يتجلى في الحديث المفرط عن السيادة والتمسك بها، وعن أن السعي لتحقيق "الاستقلال الثاني" يجب أن لا يدعنا نفرط بـ "الاستقلال الأول" عن المحتل والتدخل الخارجي، وهو أمر جيد على مستوى الخطاب الذي لم تلتزم به الهيئة نفسها، التي وجدت نفسها نتيجة سياستها ومواقفها وتكتيكاتها في صف الحلف ( روسيا، إيران) الذي يدعم النظام السوري ويمده بكل سبل البقاء بما في ذلك السلاح القاتل و حمايته في مجلس الأمن من أي قرار ضده، دون القدرة على تبيّن أن الروس والإيرانيين يدافعون عن النظام إلى آخر رمق من جهة، ودون القدرة على اللعب سياسيا بشكل صحيح مع هذين الحليفين الذين كانا أول من تخلى عن الهيئة في جنيف2، وهو يعود لضحالة ممارسة السياسة لدى قيادات الهيئة التي لاتزال تمارس السياسة بمسك الشوارب بدلا من لعبة القوى وتوازناتها، إذ ما الذي لهيئة التنسيق من قوة فاعلة على الأرض ( مدنيا أو عسكريا) تجبر النظام أو روسيا أو واشنطن وحتى الائتلاف للقبول بها على طاولة التفاوض؟ أليس ألف باء التفاوض يكون بين قوى تحاول إيجاد تسويات، استنادا لما تملك من قوة على الأرض، تحرّكها أثناء التفاوض، ضاغطة لأخذ المفاوضات نحو أهدافها؟
 هنا كانت الهيئة آداة الروس والنظام لشق المعارضة، كما كان الائتلاف ( ومن قبله المجلس الوطني) أداة واشنطن لدفع الثورة لتحقيق مصالح الآخرين ( صفقة الكيماوي، تدمير سوريا اقتصادا وقوة عسكرية، حماية المصالح الروسية والإيرانية) على حساب مصالح السوريين ( الحرية والدولة الديمقراطية) مع فارق وحيد أن الائتلاف اليوم يملك بعض القوة في حين لا تملك الهيئة إلا عطف الروس المترجيّن الأمريكي أن يدفع الائتلاف باتجاه ضم أو عقد اتفاق ما مع الهيئة.
إضافة لذلك ساهمت تصريحات وإطلالات قيادات الهيئة (المناع والعظيم) الإعلامية في لعب دور سلبي كبير مؤخرا في فقدان الهيئة لشعبيتها، لجهة تصويب نقدها مؤخرا باتجاه الجهاديين والمعارضة أكثر من النظام وحلفائه، فبمقدار ما كان خطاب المناع في الفترة السلمية عنصر قوة للهيئة و الانتفاضة أصبح مؤخرا عنصر نفور وضعف لها حين لم يقدر على فهم المتغيرات والمتحولات، وعلى التفريق بين المعارضة السياسية وقوى الثورة الشعبية على الأرض التي كان يستفزها (ولا يزال) خطاب المناع دوما، لأنه لم يفرق بين "السياسي" الذي يجب أن يكونه حين يتنطع لقيادة هيئة سياسية، وبين المناضل الحقوقي الذي هو عليه ويدفعه لقول الحقيقة بغض النظر عن رأي الشارع فيه، إذ بدا ضائعا بين الأمرين، مما ساهم في خسارة الهيئة للكثير، خاصة أن خطاب المناع كان مثالا لكشف التناقضات التي تحدثنا عنها في البداية ( خاصة التبرير لحزب العمال الكردستاني)، لنكون أمام خطاب نبيل لكنه مفارق للواقع أو أضحى كذلك بفعل "اللاسياسة" التي تمارسها الهيئة، ولعل السلوك العدائي الظاهر تجاه المشاركين في جنيف2 الذي كانت تدعو له الهيئة ليل نهار يمثل ذروة هذا الأمر.

-------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق