جنيف2 بما كشف: جثة نظام وارتباك معارضة

جنيف2 بما كشف: جثة نظام وارتباك معارضة
القصص | 01 فبراير 2014


يحمل جنيف2 في سيرورته مذ انطلق كفكرة ( حزيران2012) حتى لحظة التحقق/ السطوع على سطح العالم الكثير من التناقضات والأوهام. إلا أن أكثرها تلك التي أطلقتها المعارضة سواء تلك الرافضة للمؤتمر أم القابلة به، وليس أدل على هذا التناقض من رؤية رافضي جنيف ( سابقا) يشاركون به والمدافعين عنه منذ البداية يُقْصَون عنه ويكيلون له الشتائم اليوم متوقعين فشله، بحجة أنه لم يجر له الإعداد جيدا دون القدرة على إخفاء غضبهم لاستبعادهم.
وإذا كان ارتباك المعارضة ومراهقتها أمر بدا واضحا طيلة مسار الثورة، فإن انطلاق جنيف بمشاركة الائتلاف كشف الكثير عن سلوك هذه المعارضة بحيث بدّل المواقع، لتبدو هيئة التنسيق المدافعة سابقا عن جنيف برفضها ما يجري، باحثة عن مجرد سلطة ودور كغيرها، في حين يبدو الائتلاف أكثر براغماتية سياسية من الهيئة (التي بدت لوقت طويل أنها أكثر سياسة من الائتلاف)، حيث استفاد الأخير من كافة مراحل الثورة السلمية والعسكرية لقطف الدعم الدولي والشعبي (رغم تراجع شعبيته مؤخرا) وفق كل مرحلة عبر فهم متطلباتها سياسيا، بغض النظر عن الأساليب، فالسياسة لم تكن يوما أخلاقية، ودون نسيان مدى الارتهان للخارج والذي بسببه وبدفع منه جاءت المشاركة في جنيف2 لتكون رضوخا أكثر منها قبولا سياسيا، وهو ما يتناقض مع قوانين الائتلاف كمؤسسة، ومع الشروط التي وضعها بنفسه للمشاركة، ومع توجهه السياسي أيضا!
إلا أن الأمر الذي كان مفاجئا أكثر هو اكتشاف مدى عري النظام وهشاشته، حتى على مستوى بنتيه السياسية، فبدا فعلا مجرد جثة تطفو على سطح العالم، فـالتظاهر بالقوة والعنف والصلف الذي يحيطه في دمشق بدا مجرد مكياج ثقيل الظل وهم يواجهون ضوء الإعلام الحر، حيث لا أسئلة موجهة ولا تحكم بمن يسأل ولا أجهزة أمنية تراقب وتتحكم بالريموت كنترول لتضبط الوجهة الإعلامية وفق ما تشاء، ساعية لصناعة القبول اللازم بالنظام وفق طريقتها، ليبدو "سياسيو" وفد النظام مجرد أرجوازات تنتمي لعصر آخر، ولتربح المعارضة أول معاركها الإعلامية دون أن يكون لها دور فيها، من حيث انكشاف طبيعة النظام المعتمة التي أعماها الضوء فبدت كجثة متحركة، إلى درجة تجعل المرء يتساءل: لم تأخرت المعارضة في جرّ النظام إلى الضوء الكاشف لعيوبه وعريه وكذبه؟ وهو أمر ساهم فيه على نحو بعيد التقرير الذي بث عن تعذيب المعتقلين وقتلهم داخل المعتقلات إلى حد بعيد.
إلا أن المعارضة بدورها بدت مرتبكة لا تملك غير قوة البعد الأخلاقي لقضيتها (وهذا ما يجيب في جزء منه عن السؤال السابق، إضافة إلى دور الخارج): سياسة مرتبكة وضعف خبرة بدا واضحا في مواجهة العالم لتقديم القضية السورية بأفضل مايمكن، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدى قدرة الوفد حقا على التفاوض ( وذلك بعيدا عن اتهامات هيئة التنسيق الكيدية)؟ وماهي أوراق القوة التي يملكها بشكل ذاتي ( بعيدا عن دعم الخارج) لفرض رؤيته أو إجبار النظام على تنفيذ تعهداته، وهو الذي رفض حتى اليوم إدخال مجرد مساعدات؟ عدا عن قدرة الوفد على النفاذ من براثن التفاصيل الصغيرة التي يسعى النظم لجر الجميع لها بغية كسب الوقت، ومدى قدرة الائتلاف والقوى المعارضة أجمع على التحقق من تنفيذ وفد النظام لالتزاماته على الأرض؟
النصر الوحيد الذي حققته المعارضة حتى اليوم يتمثل بالقدرة على سحب ورقة  "مكافحة الإرهاب" جزئيا من يد النظام الذي يغازل الغرب بها، بحيث بدا خطاب المعارضة قادرا على دفع سكين الإرهاب نحو نحر النظام، عبر تسليط الضوء المكثف نحو إرهاب الدولة الممارس من قبل السلطة التي جيّرت المجموعات الإرهابية لصالحها سواء بالتسهيل أو الاحتواء أو الدعم المباشر.
إلا أن هذه الورقة التي دعمت بالهجوم على داعش قبل المؤتمر و فضح " الإرهاب" الممارس في المعتقلات، لم تسحب كاملة من يد النظام، طالما أن صفوف المعارضة تحوي بين صفوفها تنظيمات تمتلك الفكر "الداعشي" نفسه ( النصرة، الجبهة الإسلامية..)، مهما تغيّرت ألوانها أو أسماؤها، وهو ما تعكسه الخطابات الطائفية التي تحفل بها فيديوهات هؤلاء وبياناتهم الرسمية، ليغدو السؤال الأكبر: هل تقدر المعارضة ومن خلفها على اجتثاث هذا "الإرهاب" من قبلها، ليصار إلى دفن الجثة، والبدء بما بعدها فعلا، أم أن جنيف 2 ليس إلا محطة في طريق طويل: ليس مسموحا دفن جثة النظام بعد، وليس مسموحا للمعارضة الخروج من ارتباكها وعجزها، خاصة أن واشنطن بدأت تهدد دمشق بموضوع السلاح البيولوجي بعد الكيماوي!

-------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق