حزام الصدق الناسف

حزام الصدق  الناسف
القصص | 28 يناير 2014

في أواسط ثمانينات القرن الآفل، كنت أعمل محرراً صحفياً، في قسم الرقابة الشعبية، بجريدة الثورة السورية- إحدى الصحف الثلاث التي اختصر بها نظام الأسد الإعلامَ، في أقدم عاصمة مأهولة بالسكان، وأكثرها تأثراً على كامل الشرق الأوسط.
كانت تجربة "الرقابة الشعبية" نوعاً من التشبّه البعثي، بنهج الرفاق السوفيات، يعمد فيه النظام "الديمقراطي الشعبي" لنقل صوت قوى الشعب الكادحة إلى القيادة الحكيمة، فيزول الحاجز بينهما، ويتسع نطاق تمثيل السلطة للقاعدة؛ فلا يعود ثمة- بالتالي- من حاجة لكذبة الديمقراطية البرجوازية، بالمفهوم الغربي/ الرأسمالي/ الامبريالي، الذي يقوم على تضليل الشعوب، وتجهيله بواقعها، وقطع الطريق عليها في أن تعي واقعها، فتعمد إلى تغييره. وهذه طريقة الرأسمالية الماكرة، لفرض حال تكون فيه الحكومات عدوة لشعوبها، وشعوب العالم؛ تقوم من خلاله بامتصاص خيراتها واستعبادها.. بالتزامن مع صراعها البيني، الطاحن، على أرضها؛ والذي يطبق في المستعمرات تفريقاً، يورث شعوبها صراعات لا نهاية لها.. و لا أمل بالخلاص إلا بالانتقال إلى جنة الاشتراكية.
في ذلك القسم، الذي سرعان ما أثبت فشلاً لا يقل عن فشل أي فرع من فروع الثقافة الشمولية، التي كانت تنوب عن تنوعات المجتمع، في الطبقات، وفي المهن والاختصاصات، وفي المذاهب والانتماءات، وفي الميول والهوايات؛ صرنا ننشر شكايات الناس، وننشر لاحقاً ردود الجهات المشكو منها. ويكون الرجحان عادة، لصالح الجهة الرسمية، التي تجسد ثقة القيادة الحكيمة. فتنشر الصفحة مثلاً شكوى أهل بسيرين، في ريف حماة، من استغلال المتنفذ خالد سلامة لمياه السقاية، المتفرعة من العاصي؛ لسقاية أراضيه المترامية، والتسبب في عطش أراضي الفلاحين عطشى، وتصحرها؛ ليأتي رد الجهة الرسمية المختصة، على شكل استجابة فورية وصادقة من الرفاق في الرابطة الفلاحية المعنية، للتحقق ميدانياً، من صدق شكوى أخوتنا فلاحي بسيرين، اتضح من خلاله أنه لا صحة أبداً لما وصل جريدتكم الموقرة من تلفيقات،هي مجرد ادعاءات كاذبة، ومغرضة، بقصد الإساءة للرفيق خالد سلامة. التوقيع: الرفيق خالد سلامة. و الخلود لرسالتنا.
***
في ذلك القسم، الذي لم نكن فيه نحل ولا نربط.. اللهم إلا في مسائل يكون فيها الخصم من أمثالنا، وأدنى قدراً وقيمة؛ نشرتُ شكوى، وصلتني بالوثائق، عن جناية سرقة بندقية تدريب الفتوة، في ثانوية بعرين- ريف حماة- تمّ تلفيق الاتهام فيها لأحد فقراء القرية، ممن لا ذنب لهم.. فاعترف الفتى، بعد رحلة تعذيب قصيرة، في مخفر عوج. ولما تم تحويله إلى القاضي، بحماة، لاستكمال إجراءات التحقيق، سبيلاً للنطق بالحكم عليه؛ سأله القاضي عن مكان البندقية المسروقة؟ فأجاب الفتى أنه خبأها في مكان سري، لا يعرفه غيره. فطلب القاضي من شرطة المحافظة أن ترافقه لإحضار البندقية. و لدى وصولهم إلى القرية، سار بالشرطي، المقيد معه، إلى طريق فيها بئر، وظل يقترب من البئر، حتى بلغه، فرمى نفسه فيه. وكاد أن يعرض نفسه والشرطي لموت محتّم، لولا أن تداركه باقي العناصر. فلما انكشفت الفضيحة عن فتى بريء؛ استكمل القاضي معه التحقيق، ثم أخلى سبيله، بداعي عدم ثبوت الادعاء. لتظهر لاحقاً إثباتات بحق مدير الثانوية.
ولما كنت بالصدفة قد درست فيها، قسطاً من دراستي الثانوية، ولما كان المدير المتهم، ابناً لرجل كان من الضيوف المكرمين في بيتنا، وممن يزعمون قرابة بأهلي؛ فقد كنت أمام تحدي اجتماعي قاسي.. ولكنني تبنيت الشكوى، ونشرتها، كما هي، لتنتج عنها فضيحة في المنطقة، عرضتني لمتاعب، عدا عن أنها وضعتني في حالة خوف لفترة، من قبل أحد متنفذي تلك العائلة في السلطة. والذي دفعني للتخفي فترة، بعد أن دخل مبنى الجريدة، مهدداً، ليغطي عليّ زملاء القسم بالقول أن المدعو علي ديوب غير موجود. وهو قليلاً ما يداوم.. نظراً لطبيعة عمله الميداني. أما في قريتي، فقد واجهت أمي- بعد رحيل أبي- آلام الإشاعات التي كان أصحابها يريدون قهري من خلالها- كعجوز تصدق أي شكل من الأخبار، عن وحيدها البعيد، فتتلقاها بمخيلة خرافية، وتجعل لها امتدادات وألواناً تسبب لها المخاوف والأحزان، التي تحول لياليها إلى كوابيس، ونهاراتها إلى تهيؤات وبكاء.
أتذكر تلك المحنة التي لا تساوي اليوم، عشر معشار أبسط التحديات التي يواجهها أي شخص يحمل حزاما ناسفاً من الصدق، في بيئة تحكم على من يخرج عنها بما يجعله موضوع ملامة من أهله، يحملونه تبعات ما يواجهونه من احتقار أصحاب النفوذ في القرية، بدء من صاحب الفرن، وانتهاء بسائق السرفيس، مروراً برجال الدين والمعلمين وحتى أصحاب الدكاكين... آمين!
---------------------------------------
مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق