منكوبون ولامبالون

منكوبون ولامبالون
القصص | 06 يناير 2014

مقالات الرأي | غير قليل من أهل مدينة اللاذقية وجدوا في نفوسهم القدرة على إطلاق الألعاب النارية والرصاص والابتهاج بالعام الجديد. وتناهت أصوات هذه المفرقعات بطبيعة الحال إلى أسماع أمهات وزوجات وآباء وأخوة فقدوا أعزاء لهم في لجة صراع بات يحمل من الألم والعذاب أكثر مما يحمل من وعود الحرية التي انطلق من أجلها السوريون في أول ثورتهم أو قل في ثورتهم الأولى.

ماذا يعني أن يستطيع البعض من أبناء المدينة الابتهاج بالتزامن مع حزن وآلام البعض الآخر ممن خسر عزيزاً خسارة تامة بالموت أو خسارة جزئية بالإعاقة التي يمكن أن تكون أقسى من الموت؟ كيف نفهم هذا وقد مات من مات أو أصيب من أصيب في صراع داخلي رهيب ومعقد وليس جراء كارثة طبيعية؟ كيف نفهم هذا وهناك أطفال تيتموا ونساء ترملن وأمهات ثكلن لأن الآباء والأزواج والأبناء يقومون بوظيفة الدفاع عن "الوطن" الذي يتغنى به الانتهازيون أكثر من غيرهم؟ كيف نفهم هذا الفكاك الواسع بين الأفراد الذين يعلنون أنهم يتقاسمون شعوراً واحداً بالتهديد من "آخر" يريد قتلهم على الهوية؟ وكيف نفهم هذه اللامبالاة تجاه عائلات ضحايا قضوا في صراع تفهمه الغالبية هنا، المنكوبون واللامبالون سواء بسواء، على أنه صراع وجودي ضد "آخر" متطرف وإرهابي.

كان يمكن أن نفهم هذه الظاهرة على أنها قوة الحياة التي تعبر عن نفسها من خلال لوحة الموت والدمار. كان يمكن فهمها على أنها القدرة على التعايش بين الموت والحياة. كان يمكن اعتبار هذا التجاور بين السرور والغصة ملمحاً شاعرياً في الحياة. غير أن ما ينسف هذا الفهم ويسد الطريق في وجهه هو الانقسام الحاد بين المنكوبين واللامبالين. هناك شطر من المدينة منكوب بفقد أعزائه من الدائرة الأولى، أب، أخ، ابن، صديق قريب ..الخ، وشطر يتعاطف لفظياً مع الشطر الأول ويمارس حياته بما لا يتفق مع هذا التعاطف. شطر منكوب "شخصياً"، وشطر يعرف كيف يهرب من النكبة لا بل وكيف يستثمرها. الشطر الأول يعيش النكبة واقعياً ويدفع الضريبة الفعلية من دمه ولحمه وبالتالي سعادته وسلامة عيشه، وشطر آخر يعيش النكبة شاعرياً ويتغنى بالمعاني ويملأ اللغة رثاء وتعبيراً عن التقدير، ويملأ أرصدته من خيرات الوطن المشغول بالصراع "الوجودي".

لا يعاني المرء كثيراً حتى يلاحظ التلف البادي على العلاقة بين الأفراد الذين هم ابناء منطقة واحدة. ولا يبدو أن الشعور بانعدام الأمان عمل على تعزيز روابطهم المجتمعية أو خفف من أسيد الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالعلاقات مثل الحسد والغيرة والاستعراض والترفع الفارغ والميل إلى الاستغلال وأكل حقوق الناس ..الخ. بل يمكن القول إن ما يظهر اليوم أكثر مما كان بادياً من قبل. هناك نهم صريح لا يتناسب مع شعور المرء بانعدام الأمان، ولا يتناسب مع ما يُتوقع من تكافل بين أبناء منطقة واحدة يجمعهم تصور مشترك عما يجري من أحداث في بلدهم. لم يتراجع الكذب والغش والكيد على مستوى العلاقات بين الأفراد. ولم تتراجع الرشوة والمحسوبيات والواسطة والنهب وأشكال الفساد على مستوى العلاقة بين الأفراد وجهاز الدولة.

على غير توقع، زاد منسوب الفساد مع احتدام الصراع بدلاً من أن يتراجع، كما كان يمكن أن يتنبأ المرؤ، مفترضاً أن جهاز الدولة سيبذل أقصى ما لديه للجم الفاسدين وإعطاء الصورة الأفضل عن الدولة القائمة في ظل هذا الصراع الذي يهدد وجودها بشكلها الحالي. ما جرى هو العكس، حيث أطلقت يد الفاسدين وصار الفقراء ضحية سهلة وبلا أي حماية. ليس هذا فقط بل باتت الأملاك العامة بلا اي حماية وباتت موضوع نهب لمن يمتلك القدرة على النهب ووضع اليد. وباتت المعادلة الصريحة هي: الكسب لقاء الموالاة. وفي مثل هذه المعادلة تصبح الموالاة أكثر تخصيصاً. فهي وإن اتخذت شكلاً عاماً يطلقون عليه اسم الولاء للوطن، إلا أنها لا بد أن تكون ولاء لأشخاص محددين، وغالباً محليين، لكي تكون ذات "قيمة استعمالية" تمكن الفرد من مقايضتها بمكاسب. ولا بد أن يمتلك "الموالي" إمكانيات شخصية أو عائلية أو سوى ذلك كي يتمكن من جني المكاسب.

لا شك أن هذه اللوحة شديدة الهشاشة نظراً إلى أن المنطقة كلها تقف على أرض متحركة يمكن أن تحيل المكاسب إلى لعنات ويمكن أن تحيل اللامبالين إلى منكوبين في غضون أيام. ومع ذلك لا يبدو أن هذه الهشاشة تمارس أي فعل على ضمائر أو مشاعر أو عقول غالبية الانتهازيين من المنتفعين والمتكسبين.

مقالات الرأي لاتعبر بالضرورة عن رأي روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق