الجولاني على الجزيرة: ماذا نفهم من ذلك؟

الجولاني على الجزيرة: ماذا نفهم من ذلك؟
القصص | 22 ديسمبر 2013

في عام 2011 كشفت وثائق ويكيليكس عن وجود علاقة بين مدير قناة الجزيرة آنذاك "وضاح خنفر" ووكالة الاستخبارات الأمريكية، يقدّم ويتلقى الأول بموجبها تقارير عن عمل القناة وتوجّهها بما يخدم السياسة الأمريكية في المنطقة.
بعد الفضيحة قدّم "خنفر" استقالته، لنكون أمام وثيقة حيّة عن العلاقة التي تربط أجهزة الإعلام بالاستخبارات في كل دول العالم، بما يجعل الأولى مجرد ذراع متقدم لسياسات الثانية، وبما يجعل الحديث عن وجود إعلام حر ( على صعيد المؤسسات الكبرى خاصة) كذبة محضة، بحيث تموّل هذه القنوات استخبارتيا لتعبّر عن وجهة نظر الدول المموّلة وتساهم في تزييف الوعي و"صناعة القبول" الذي يخدم هذه السياسات.
 يكفي تفحصا سريعا لندرك أن "الجزيرة" لسان حال الحكومة القطرية و"العربية" للسعودية، والاثنتان تندرجان في إطار السياسة الأمريكية، عبر توزيع أدوار متقن. و"الميادين" للحكومة السورية، و"العالم" لإيران و "المنار" لحزب الله، والثلاثة في نهاية المطاف في خدمة الأجندة الإيرانية/ الروسية في المنطقة (بما في ذلك روسيا اليوم)، بما يجعل الإعلام مجرد أداة وليس سلطة رابعة كما يتوّهم الكثيرون، إلا فيما ندر.
أمام هذا التحوّل الفظيع في وظيفة الأجهزة الإعلامية تضيع الحقيقة ويصعب البحث عنها، وهذا بحد ذاته أحد الأهداف التي تعمل عليها الاستخبارات، لأنّ التشوّش وفقدان البوصلة هو الفضاء العام الذي يسهّل عمل الاستخبارات. وهذا ما يحصل في سوريا اليوم، وجاء ظهور الجولاني على الجزيرة ليؤكده، ولكن كيف؟
بالعودة إلى "الجزيرة"، سنتذكر أن الجزيرة في تغطيتها الأفغانية/ الباكستانية كانت أوّل من استضاف قادة القاعدة وغطى أعمالها وبث بيانات قادتها ( بن لادن، الظواهري..) ولا زالت تتولى هذه المهمة ( فنتذكر بيان الظواهري الأخير حول داعش والنصرة والذي أثار جدلا)، ولم يكن ذلك بريئا أو مجرد تغطية إعلامية، بل جزء من تلك الأجندة التي فضحت بانكشاف أمر "خنفر" الذي قدّم استقالته دون أن تتغيّر أجندة القناة، التي لا يختلف اثنان اليوم على دورها السلبي في تغطية الربيع العربي والسوري تحديدا، والمساهمة في إظهاره على أنه ربيع إسلامي! عبر "صناعة القبول" التي سبق للمفكر الأمريكي "نعوم تشومسكي" أن تحدّث عنها.
الملفت أن الإعلاميين الذين غطوا أحداث الجزيرة في أفغانستان و باكستان عادوا اليوم ليكونوا رافعة الحدث السوري، فأحمد زيدان الذي كان مراسلا للقناة في باكستان ويلتقي قادة القاعدة هناك، بات ينقل تقاريره من ريف دمشق وحلب، و"تيسير علوني" الذي حكم بالسجن في إسبانيا لصلته بالقاعدة يستضيف اليوم " الجولاني" الذي يرتبط تنظيمه بعلاقة مباشرة مع القاعدة، أما كيف توّصل "علوني" إلى "الجولاني" فهذا أمر استخباراتي آخر، قد نحتاج زمنا لنكشف تفاصيله، وإن كانت المؤشرات شبه واضحة في دلالتها.
الملفت أيضا أن ظهور الجولاني تزامن مع اللغط الكبير الذي جرى حول رفض "الجبهة الإسلامية" لقاء الأمريكان بعد إضعاف الجيش الحر الذي دعموه ثم أضعفوه، لنكون أمام أجندة تتقاطع في مستويين: إبقاء الأمر في صيغة "لاغالب لامغلوب" بين النظام السوري والمعارضة بما يستنزف الطرفان، وقتل البديل الديمقراطي الذي يتفق داعمو النظام وخصومه عليه، لأنه الخطر الوحيد على مصالحهم، ولأن نجاح الثورة السورية يعني تمدد الموجة الديمقراطية لاحقا إلى تلك الدول. لذا لابد من قتل الربيع في الأرض السورية.
وهنا يأتي النموذج الإسلامي الذي تقدّمه "الجبهة الإسلامية" وتروّجه الجزيرة عبر تجميل نموذج "الجولاني" إعلاميا ليصب في هذا السياق، وليغدو السوريون مخيّرين بين الاستبداد أو الجولاني أو الصيغة التقاسمية التي تعد لها الأطراف الدولية في جنيف2 والتي قد تكون نوع من محاصصة طائفية تؤدي نفس الغرض المطلوب بمنع قيام دولة ديمقراطية قوية لاحقا؟
الفارق الوحيد بين النموذج السوري والأفغاني أنّ النظام السوري خبير بهذا النوع من "اللُعب" فهو نظام أزمة بامتياز، يستثمر فيها إن وجدت كما حال حرب العراق والحرب الأهلية اللبنانية، أو يخترعها إن لم توجد كما حصل في الكثير من محطات الأزمة السورية، فهو نظام صقلته تجارب الثمانيات والحرب الأهلية اللبنانية وعلاقته مع حزب العمال الكردستاني في تركيا وتسهيل مرور المقاتلين إلى العراق و لبنان بعد اغتيال الحريري واختراق التنظيمات المتطرفة من داخلها كما قال مسؤول أمني سوري لمسؤول أمريكي وفق ما كشفت ويكيليكس، ولعل خروج قادة هذه التنظيمات من سجونه يثبت ذلك.
ولكن ما يختلف اليوم عن التجارب السابقة ( باستثناء أحداث الثمانينات) أن المسرح اليوم هو أرض النظام وليس آراضي الآخرين، مما يجعل قدرة الخصوم على إيلامه ودفعه باتجاه ما يريدون أوفر حظا مما سبق.
 وهنا تأتي مهمة "الجبهة الإسلامية" المدعومة سعوديا وأمريكيا، والمسنودة بـ"النصرة وداعش" بترويج قطري تتولاه الجزيرة، بعد أن تم إخراج الديمقراطيين من الصراع الذي تحوّل من جذره الأساس حرية/ استبداد إلى أمان/ إرهاب، وهو ما قاله "لافروف" بصراحة حين أكد أن هدف جنيف 2 محاربة الإرهاب !! وهو ما نرى مظاهر التجريف الأخيرة له اليوم، إذ تقوم داعش والنصرة والجبهة الإسلامية باعتقال نشطاء المعارضة المدنيين الذين كان آخرهم رزان زيتونة ورفاقها، في حين يقوم النظام باعتقال رجاء الناصر ويارا فارس، ليبدو وكأنهما اتفقا على هدف واحد حتى وهما يتصارعان، في حين أنهما في حقيقة الأمر ( السلطة والجبهة الإسلامية والنصرة وداعش) مجرد أدوات لقوى كبرى، تدفع الأزمة السورية باتجاه الحل الذي تطبخه في جنيف2.
 والمفارقة الكبرى أن قسم كبير من "ديمقراطيي" الائتلاف وناشطو المعارضة وهيئة التنسيق وغيرها هم من عبّد طريق ذلك عبر تبئيتهم النصرة والإسلاميين ( من جانب الائتلاف) في قلب الثورة، وعبر المراهنة على الروس ( من جانب هيئة التنسيق وغيرها) ليتولى هؤلاء بدورهم قتل الثورة وطرد الديمقراطيين كما في كل تجارب الإسلاميين في الثورات ( الثورة الإيرانية نموذجا)، إلا إذا توّهمّنا أن بقاءهم الديكوري/ الإعلامي هو بقاء حقا، في حين أنه غدا نوع من المهزلة.

----------------------------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة
 
 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق