لماذا الانشغال بالطائفية في سورية؟

لماذا الانشغال بالطائفية في سورية؟
القصص | 01 ديسمبر 2013

 قبل أن نناقش الموضوع من منطق فرضته علينا السلطة الطائفية وهو منطق الانكار، تقابله ممارسة طائفية على الارض. من جهتي اقول لأي مواطن: كن طائفي كأي عنصري أو فاشي لكن التزم القانون، وألا تكون طائفيتك سلطة بالاكراه، الناس قناعات ومصالح.اليمين المتطرف في اوروبا مرخص له وفقا للدستور، ليس لدي مشكلة مع طائفيتك إذا كانت في دولة قانون ومؤسسات وتداول سلطة. كن طائفيا ولا تلجأ للعنف. يتحدث بعض الكتاب والناشطين أن الطغمة الاسدية استطاعت جر البلاد إلى ما يشبه الحرب الطائفية، ويحملون المعارضة مسؤولية ايضا في ذلك، كون بعضها استجاب، لما تريده هذه الطغمة.

هنا في هذه الترسيمة يبدأ الانحياز للسلطة عمدا أو عن جهل. لسبب بسيط لأنه لا يمكن لسلطة طائفية إلا ان تنتج سلوكا طائفيا، لأنها مؤسسة على ذلك، منذ عام 1970 كان واضحا مشروع النظام آنذاك، ومنذ ذلك التاريخ والسلطة تطيف سلوكها أولا، وتبني قواعدها الارتكازية بناء على المعطى الطائفي. هذا المنطق يذكرنا بنفس المنطق الذي ساد اثناء احداث 1980 والتي بدأت منذ عام 1878 بين السلطة والاخوان أو هكذا سميت، والاصدقاء في الاخوان ارتاحوا لهذه التسمية، مع أن الموضوع كان اوسع من ذلك بكثير احتجاجا ضد هذه السلطة.

أن هذا الصراع هو من أدخل الممارسات الطائفية لسلوك السلطة، مع ان قليلا من الموضوعية التاريخية، تشير إلى أن السلطة كانت قد انهت تنضيد ولاءاتها طائفيا واوسع من طائفيا، لكن الولاءات التي تمتلك اجهزة القوة والعنف كانت محسومة طائفيا، اقصد اجهزة الجيش والمخابرات..أصلا الدولة قسمها النظام قسمين:

- الأول لحماية النظام والمتعلق باجهزة الاكراه لدى أية دولة، الجيش والمخابرات،هذا القسم طيفه قبل الانقلاب أصلا 1970 وإلا ماكان لانقلابه أن ينجح أصلا. أعاد أنتاج اجهزة الاكراه هذه بسرعة خاطفة. لم يكن يسمح مطلقا لأيا كان التعرض لما يقوم به رأس النظام في عملية تطييف أجهزة الاكراه.

- الثاني ( أجهزة الحكومة) لنهب البلد كان لديه كامل الاستعداد لاقتسامه مع من يشاء شرط الموالاة المطلقة. وكان منهم طبقة تجارية متهافتة بحكم سياسات التأميم البعثية، وكوادر حزب البعث ممن ساند الانقلاب ووقف معه. خمس سنوات كانت كفيلة بترسيخ النظام وفقا لهذه القسمة، ونشات طبقة محدثي الفساد. من خلال هذا القسم أنشأ اتفاقا غير مكتوب مع قطاع المصالح المدينية في دمشق وحلب، من مشايخ وتجار..ثم اتبع ذلك بأن اصبح إضافة لهؤلاء فرض الموالاة على فعاليات الأقليات الدينية والطائفية، فأصبحنا نرى من كفتارو في خطبة الجمعة حتى بطرك الكاثوليك في عظة الاحد يسبح بحمد الاسد.

الانشغال بالطائفية لأن السلطة طائفية، وحولت الدولة كذلك إلى جهاز طائفي، لكن بقي لديها مشكلة لم تستطع حلها، وهي دسترة الأمر، وأصلا غير قادرة على حلها بحكم العامل التاريخي والديمغرافي. واعتمد في حل هذه القضية على ما اتاحته وتتيحه قضية الشرعية الثورية للبعث القائد. البعث الذي وصل به الأمر كوريا لأن يقترح أحد قياداته جورج صدقني في مؤتمره القومي الثالث عشر 27/7/1980، أن يقوم القائد الخالد بتعيين اعضاء القيادات القومية والقطرية بدون انتخابات. لا يمكن فهم الطائفية من منظور بنيوي فقط...بل علينا ملاحقة ممارساتها التاريخية وتفاعلاتها عبر أجيال تربت انطلاقا من لحظة لم تكن ساكنة على تفاعلات من طرف واحد وهي هنا السلطة..وبعضنا ينظر لها بكونها لحظة تحليلية ثابتة وقارة، تتعلق بسلوك المنتج لها او المستقبل بنفس اللحظة..مع اننا لايمكن أن نقبض عليها متلبسة وبحركيتها الاجتماعية والسياسية إلا إذا كان هنالك طائفيين يمارسونها.. حيث لاطائفية بلا جمهورها.. المسألة ليست أدانة هذا الطرف أو ذاك، بل القضية تتمحور حول الاجابة عن سؤال: لماذا لم ينشغل الليبيون بالطائفية مثلا؟ أو التوانسة؟ لأنه ببساطة لم يكن النظام الليبي أو التونسي طائفيا. ربما لتلك المجتمعات إشكاليات أخرى، لكن الطائفية ليست منها.

الانشغال بالطائفية في المجتمع السوري ليس وليد الثورة، ومن يقل بذلك فقط يضحك على نفسه. ما تعتري الثورة من أشكاليات، هي نتاج لهذه المسيرة الطويلة من التطييف، وتفاعل الجمهور الطائفي معها بما هو جمهور، وجد نفسه منغمسا ممارسة وبعمق مع السلطة وطبيعة تكوينها، وهو أصلا جزء عضويا من تكوينها، بدونه ما كان يمكن أن تنشأ إشكالية طائفية، السلطة لم تجر الثورة بذكاء نحو الطائفية بل لأنها هي كذلك، وما كان بمقدورها أن تكون غير ذلك.. اللعب على الورقة الطائفية يحتاج لجمهور موزع بين جهتين، جمهور التطييف نوعان: الأول- شعر بنعمتها وعاشها امتيازا ماديا ورمزيا وهو عموما من الطائفة العلوية. والثاني- عاش نقمتها ظروفا مهينة، وهم بقية الشعب السوري عموما، وأكثريته السنية خصوصا لسبب لأنه مهما حاولنا الانتفاع من قضايا المواطنة وحقوق الانسان..الخ في تبرير ما لايبرر، فإن أية أكثرية مهما كانت دينية أو سياسية، لا تقبل أن تعيش في ظل حكم ديكتاتوري ينتمي لأقلية طائفية أو دينية أو سياسية، فمابالنا إذا كانت أقلية سياسية وطائفية معا وفي اندماج لا يمكن فك اواصره، هذا ما عمل عليه نظام الاسد مدة طويلة حتى أقصى أية فعالية علوية من الواجهة تتمتع بهامش من الاستقلالية وتدعو لفك هذه اللحمة. الاستثناءات في هذه الوضعية المتفاعلة سوريا تؤكد القاعدة وليس لتشير على عكس ذلك. مثال ذلك حزب الله كحزب طائفي لا يعني أن كل الشيعة منضوين في لواءه، لكنه حزب طائفي برنامجا وممارسة، وجماهيره أيضا تمتعت بامتيازاته نسبيا، أيضا رمزيا سلطة على كامل اللبنانيين بالسلاح، وماليا بالمال الايراني. ما يوضح أيضا ما نرمي إليه، ليس تنضيد الولاء داخل جماهير الطائفة كان يعتمد على بعثية عائلة الاسد بل على انتماءها العلوي، لهذا خرجت أصوات وهي نفسها، التي تتحدث الآن عن أن الطائفية هي أداة فقط!! لتقول أن هنالك جزء من التفاف الطائفة حول عائلة الاسد يتعلق بالمظلومية التاريخية من قبل أهل السنة!! أو نتيجة لخوفها من الاخوان المسلمين، بغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذه التلفيقات التي لم نعثر لها على أثر في تاريخ سورية الحديث والمعاصر، إلا أنها تقال لتفسر تفسيرا تبريريا لما يحدث.وهذا لايغير في الامر الذي يقول ان السلطة الاسدية استخدمت الطائفة، لكن أيضا الطائفة استخدمت السلطة بنفس الموال وهذا من طبيعة المساومة التاريخية التي اجريت على الارض بين آل الاسد وجماهير الطائفة هذه المساومة كانت مدعومة بالقمع من جهة وبالامتيازات التي لم يحصل عليها بقية ابناء الشعب السوري حتى من الموالين. وهنا المقارنة بين الذاوت الانسانية هي من طبيعة البشر. عندما يجد ابن الطائفة العلوية نفسه يمتاز عن غيره من المواطنيين اقرانه، لكونه من هذا الانتماء وتسهل له كل ما يتعلق بشؤونه في الدولة، يشعر أن هذه السلطة هي ملكه أيضا ويريد الدفاع عنها. مرة أخرى هنالك تنظيمات يسارية منذ بدء تشكلها، تتحدث عن نظام ديكتاتوري طائفي أو ذو سمات طائفية، وكان هذا في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، ماذا حدث لهذه السمات هل بقيت سمات أم تطورت؟ الآن هذه التنظيمات أو بقاياها أو بعضا ممن كانوا ينتمون إليها، لم يعد يجدوا حتى هذه السمات!!لأن الطائفية تحولت إلى أيديولوجيا قاتلة، والايديولوجية تمتلك قدرة هائلة على التلون والذرائعية حد الابتذال..


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق