طرفا جنيف السوري خارج الواقع!!

طرفا جنيف السوري خارج الواقع!!
القصص | 26 نوفمبر 2013

رغم الإعلان عن مؤتمر جنيف في 22 كانون الثاني 2011 مازالت خطابات السياسيين والعسكريين السوريين سلطة ومعارضة، تتراوح بين رفض وقبول لجوهر العملية التفاوضية، إذ يسعى كل طرف لرشق الآخر بسلسلة اتهامات لامعنى أو وظيفة لها سوى الأبلسة وتفريغ السياسة من محتواها، سواء بين فصائل المعارضة المتناحرة فيما بينها على جنيف 2 ومعناه من جهة، أو بين السلطة والمعارضة من جهة ثانية.

في التدقيق في خطاب السلطة عن جنيف 2، لن نتمكن من العثور على كلمة واحدة مفيدة، إذ يجري الاختباء حول عبارات "وقف دعم الإرهاب" وضرورة "قيادتها الحوار"! و"حوار سوري سوري" تدرك السلطة قبل غيرها أنه لم يعد سوريا! و ذلك قبل أن نعرف ما هي رؤية السلطة للحل التفصيلي؟ مالذي تقبل به وما الذي لا تقبل به؟ وما هي آلياتها لوضع البلد على طريق الانتقال الديمقراطي وهي التي لا تعترف بكلمة تحوّل ديمقراطي بعد في كل خطاباتها، حاصرة الأمر بين دولة وإرهاب! وكأنه إذا تم القضاء على الإرهاب تزول دولة التوريث و تنحل مشكلات الشعب السوري ويزول الاستبداد الذي يرفض الاعتراف بمشكلته!

على صعيد المعارضة، المنقسمة بين شق يريد جنيف 2 وآخر يرفضه، لا يمكن أيضا العثور على جملة واحدة مفيدة، فرافضو جنيف 2 أو القابلون به وفق شروط، يختبئون حول تنحي الأسد و "زمرته الفاسدة" والأيدي التي تلطخت بالدماء" و "عدم حضور إيران"، وفق التعابير الأكثر شهرة لديهم، دون أن نفهم كيف سيكون عدم ذهابهم لجنيف 2 مفيدا في إطار تحقيق أهدافهم تلك، وهم الذين ما انفكوا يروّجون الأكاذيب المتعلقة بتغيير موازين القوى على الأرض التي ستبقى في إطار "لاغالب لا مغلوب" كما يقول داعموهم قبل أي أحد آخر! ليجمعوا في تناقض مذهل بين تغيير الموازين هذا، وشتمهم لأمريكا والغرب الذي تخلى عنهم! ومن دون أن يوّضحوا من جهة أخرى، رؤيتهم للمرحلة الانتقالية أو العدالة الانتقالية وكيفية قيادة البلد وإدارة مؤسساته التي يديرها حاليا "الملطخة أيديهم بالدماء" وما هي استراتيجيهم لمكافحة الإرهاب الإسلاموي الصاعد حيث تفوّق النظام هنا عليهم، و بات يروّج نفسه كحليف مؤتمن بعد أن تمكن من استخدام ورقة الكيماوي في تجنب الضربة الأمريكية، وهي التي باتت تنقلب ضده هذه الأيام عبر تصريحات بدأت تتواتر حول تهرّبه من التزاماته واحتمال تفكيكه خارج البلد مما ينزع من يده ورقة الزمن التي أرادها!؟

وأما على صعيد المعارضة المؤمنة غيبيا بجنيف 2، فهي لاتزال تختبئ حول عبارة أن الحل السياسي هوالحل الوحيد، دون أن نعرف ما هي سياستهم؟ وكيف سيكون وجودهم في جنيف 2 مفيدا في ظل نظام لم يعترف حتى اللحظة بأن ثمة شعب يريد الانتقال من دولة التوريث إلى دولة الديمقراطية؟ إذ يغيب عن ذهن هؤلاء  تقديم الآليات أو الأوراق التي يملكونها لدفع النظام نحو قبول عملية التحوّل الديمقراطي، وكيف يمكن ضمان ذلك في ظل بقاء الأسد الذي يرفض التخلي عن صلاحياته لحكومة وحدة وطنية؟ وفي حال القبول ببقائه كيف يمكن تحقيق هذا التحول، إذ لا يكفي هنا التبجح بأن جنيف 2 هو الحل، بل لا بد من شرح كيف سيكون ذلك، لإقناع الناس فعلا بأن الحل قادم، وأن ثمة نتيجة في الذهاب إلى التفاوض، على الأقل بالنسبة لحاملي السلاح الذين لن يتخلوا عن سلاحهم إلا في حال بروز مؤشرات ما أو ضمانات ما. وذلك رغم أننا نرفض السلاح كليا، إلا أن الواقع يقتضي البحث في ذلك، وإلا لا معنى لأي مما سبق.

إن التأمل فيما سبق، يضعنا أمام شعوذة سياسية، حيث لا حضور لأي سياسة إلا ممارسة السحر بوصفه سياسة، لذا لا عجب مما نراه اليوم من انقلاب السحر على الساحر لدى كل الأطراف: كيري يصرّح بأن لا مكان للأسد في العملية الانتقالية مؤخرا بعد أن صرّح سابقا بأنه يمكن نقل السلاح الكيماوي إلى خارج سوريا لتفكيكه ليلاقيه  نائب وزير الخارجية الروسي "سيرغي ريابكوف" في نفس النقطة، بعد أن ظن النظام أن "سحر" الكيماوي قد ينقذه، ليعود كيري مجددا ويتحدث عن "الحكومة الانتقالية" دون ذكر موضوع الأسد وذلك بعد الاتفاق الإيراني مع الغرب.

رافضو جنيف الذين يعتمدون "سحر" تغيير موازين القوى والاعتماد على الخارج بات هذا الخارج نفسه يطالبه بالتخلي عن سحره! القابلون بجنيف و"سحره" لا يملكون في حقيقة الأمر القول " لا لجنيف"، لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئا، ولعل اعتقال "رجاء الناصر" وعجزهم عن إطلاق سراح عبد العزيز الخير من سجنه ليكونا على طاولة التفاوض، يأتي ليكشف عجزهم، فلا أوراق قوة في أيديهم  لفرضها على السلطة التي ترفض بدورها إطلاق سراح المعتقلين كبادرة حسن نية بالحد الأدنى، لتثبت أنها تريد أن تفاوض لا "تشعوذ" كعادتها!

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة، وإنما عن رأي الكاتب.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق