صفعة سياسية للمعارضة العسكرية

صفعة سياسية للمعارضة العسكرية
القصص | 12 نوفمبر 2013

في صفي العاشر بمحافظة دير الزور حيث كنتُ أدرس، كان أستاذ الفيزياء يتعرّف علينا اسماً وراء اسم ويتعرّف على مهنة آبائنا في اليوم الأول من بدء العام الدراسي، كعادة شاملة اكتسبتها كافة المدارس السورية (لا أدري ماذا تفيد معرفة مهنة الأب؟)، كان ثمة طالب اسمه "محمد النجم"، وما إن لفظ اسمه بلهجته البدوية، حتى صرخ أحد الطلاب من مقعده قائلاً: "أستاذ أستاذ هاذا شاوي". هنا، خرج الأستاذ عن طوره: "يا حمار أصلنا شوايا".
هذه الحادثة تذكرتُها اليوم وأنا أقرأ ما حدث قبل مؤتمر جنيف 2، من خلال نقل سوريا إلى مرحلة قادمة لن تكون سهلة في تطبيق نموذج الديموقراطية المنشودة، بل ستكون حافلة ربما بالكثير من الشحن القهري والكبت السياسي والطائفية اللعينة وكذلك العصبية في طريقة التعبير عن الحريات الشخصية، ولاسيما أمام غير السوريين، الذين ينتظرون النموذج الأمثل من المعارضة السورية في مؤتمر دولي سيحسم مصير سوريا...
فقد سربت مصادر من داخل الاجتماع في أن سبب الخلاف يوم أمس يعود إلى أن المقداد نعت الجربا بأنه "شاوي" أو "جربان"، ما حدا الأمر بالجربا إلى نعته بالشاذ جنسياً، وفي هذا ضربة قوية، حين تقول لشخص إنك شاوي، حتى لو كان شاوياً بالفعل، فالأمر يجب ألا يقتصر على هذه الكلمة فحسب.
ما قام به رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحمد عاصي الجربا، بحق المنسق السياسي والإعلامي للجيش السوري الحر، لؤي المقداد، لربما ينمّ عن أصل الجربا نفسه، الذي ينحدر أصلاً من عشيرة "شمر" المعروفة في السورية، في كيفية تقاسم الأدوار ضمن المجالس واحترام شيخ العشيرة، كونه شيخ طبعاً، فقد صفع الجربا المقداد كونه أراد أن يتوجه إلى مسؤول في المكتب القانوني، لكن الأول طلب منه الرجوع إلى مكانه، وجاء رد الثاني بأن له الحق في السؤال والاستفسار، فلم يتمالك الجربا نفسه ليصفع المقداد، لأنه كسر كلمته، الأمر الذي وصل إلى الاشتباك بالأيدي بين بعض الأعضاء.
حقيقةً، ما حدث حزّ في نفسي كثيراً، ولاسيما أننا أمام مرحلة انتقالية في سوريا الجديدة، لربما كانت ستضع النقاط على الحروف الضائعة من قواميس حياة السوريين في الداخل وفي الشتات المتبعثرين، مع خيم لن تقيهم برد الشتاء ولا قيظ الصيف، وهم في كل الأجواء والمناحي منبوذون، بل وباتت عدة دول تشحذ من خلال سوريا، وهي تضع صناديق التبرعات للسوريين في الأماكن العامة بعنوان "إغاثة سوريا"، هذه الإغاثة التي لا تغني ولا تسمن من جوع..
أتذكر هنا الواقع السوري الأليم بكل أطيافه المتصارعة منذ ثلاث سنوات في كيفية تقاسم الحصص فيما بينها، وهي الحياة السورية الفقيرة التي لا يختلف الائتلاف الوطني عنها في شيء أبداً، بل هو صورة مصغرة لسوريا المتناحرة (للأسف صرنا نقول متناحرة بكل عصبية)، فالأمور تجاوزت الحدود العقلانية، وباتت أغلبية المسائل الداخلية تُحل بقليل من الحيل، فربما "طاش حجر المعارضة".
الجربا والمقداد، كانا محورا الصراع في الاجتماع الهامشي قبل انعقاد جنيف 2، كان أن دوت صفعة الجربا عالياً، لقربها من أجهزة الصوت والمايكروفونات، وكان المقداد هدد الجربا بإحضاره الشرطة التركية، ليتدخل الحضور وفض الاشتباك بينهم، فالأمر انتهى بصلح ودّي، كما ورد من أروقة الاجتماع هذا.. قبل أن يظهر المقداد في تقرير تلفزيوني يتهم فيها غريمه الجربا وممارساته بالتشبيح.
أياً يكن السبب وراء الاشتباك، تبقى كلمة "شاوي" مصدر فخر للكثيرين، ويجب عدم العبث بها أو النظر إليها على أنها جزء من تخلف القبائل العربية التي تحتفظ بوجودها، ومن حقها أن تفتخر بهذا اللقب دون الإساءة إلى سمعة أي مكوّن سوري، حتى نحترم بعضنا بعضاً.

-------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق