شبح "أم علي حمامة"

شبح "أم علي حمامة"
القصص | 03 سبتمبر 2013

وديع صالح | "أم علي حمامة" سيدة طيبة، لا تحب لقب سيدة ولا تخجل من لقب فلاحة- يطلق أهل ضيعتها على بيتها اسم: "بيت أم علي" وقلائل يقولون: "بيت أبو علي". عندما كانت الطائرات تقصف الحفة والقرى المجاورة، وقفت حمامة "هذا هو اسمها في الهوية" على الطريق وأوقفت السيارة التي تقل الهاربين من القصف ورجتهم أن ينزلوا إلى بيتها، فهي مستعدة لاستضافتهم، أو على الأقل  ليتناولوا الفطور. شكروها ورجوها أن تسمح لهم بمتابعة رحلتهم، ورجتهم بدورها، بعد عنادهم، أن ينتظروها لتحضر شيئا للأولاد الذين يجلسون في الشاحنة، وركضت إلى البيت القريب،  شعرت بالخذلان الشديد عندما عادت ومعها تين يابس وخبز وفطائر بالفليفلة وحبات بندورة وزجاجة زيت زيتون ولم تجد الشاحنة البيضاء. شتمت السائق.

 بعد قليل مرت طائرة من فوقها متجهة لقصف قرى الحفة فأطلقت شتيمة من العيار الثقيل على أم الطيار لأنها أرضعته حليب "كلاب" على حد زعمها. بعد سنتين من مرور الشاحنة هاجم مسلحو النصرة قريتها، لم تقتل أم علي، ولكنها اقتلعت من بيتها واتجهت إلى بيت سلفتها في اللاذقية، وشعرت وقتها أنها ضعيفة، فقدت حس النكتة، وإذا سألها أحد ما قولك يا أم علي؟ لم تعد تطلق شتائمها، بل أصبحت تكتفي بالقول: "يا ريت لو بعرف! اسألوا ولاد الجامعات يمكن بيعرفوا".
 لا تمثل أم علي قاعدة عامة في اختراق الحقد الطائفي، ولكنها ليست استثناء نادراً رغم الجهود التي تبذل يومياً لتحويل الهويات الطائفية إلى هويات قاتلة بغض النظر عن مواقف المتحدرين من هذه الطائفة أو تلك.

 لم تكن أم علي تبكي. مؤخراً شوهدت دموعها عندما رأت صور مجزرة البيضا في بانياس، وعندما سمعت باختطاف أطفال ونساء قرية بلوطة وقرى مجاورة، وعندما شاهدت على الشاشة أب يطلب من ابنه المسمم بالكيماوي أن يفيق.

كانت تخاطب أشخاصاً وهميين وتقول: اليهود أرحم منكم، العمى، ما ألكن صفة البشرية. ولكنها ناحت في المرة الثالثة وهي تخاطب جثمان ابنها : قتلوك يا أحمد! خلي ابن أنيسة يفرح بالكرسي! وعندما طلبوا منها أن تصمت، قالت متحدية وكأن قوة الدنيا تجمعت في رأسها: انقلعوا من هون! أنتم سبب قتله! بدكن تقصفوا العالم، وتنهبو بيوتن، ويضلوا متل الخواريف! أحمد لولا الخدمة إجبارية ما عمرو بيحمل سلاح! وإذا بدكن تقتلوني تفضلوا، البواريد بأيديكن ... قال أحد الشبيحة: أم على هي المكافأة لأنو عم ندافع عنكن وعن الوطن؟ فردت بحدة: أنت ولك شخاخ بدك تدافع عنا، يلعن أبوك لأبو اللي عطاك هالبارودة. ما بدي قلك حرر فلسطين، روح إذا كنت رجال رجع هالولاد اللي خطفوهن من الجبل! ولك أنتو والجحاش اللي متلكن بهداك الطرف اللي عم تقتلونا.
ماتت أم علي بنوبة قلبية. انكسرت في لحظة، كالأشجار التي طالها القصف في تلك القرى. ماتت بصمت ودون تلميع، ماتت بجلابيتها التي اشترتها لها ابنتها سها من الشام، وشحاطتها التي اشتراها لها أحمد من حلب، وغطاء رأسها الأبيض التي أهدته إليها كنتها الحمصية.

أحد أبناء قريتها من معارضي النظام قال بعد موتها: الفرق بينها وبين المعارضة السورية أنها كانت معنية بالموتى، لا باستثمار الموت. وقال آخر: لو كان للمعارضة السورية وجدان أم علي لاحتفلنا بسقوط النظام منذ عام على الأقل. واتهمه ثالث بأنه يبالغ قليلاً لا باتهام المعارضة بعدم قدرتها على تكوين مثل أخلاقي، بل بمقاومة القصف الجوي والصاروخي والكيماوي بوجدان المرحومة، فرد عليه أن الشعب السوري والجيش نفسه كان سيقف موقفاً مختلفاً لو استطاعت المعارضة تكوين حافز.
وتحدثوا عن الكيماوي والضربة الأمريكية المحتملة وعلت الأصوات، وخفتت، بين تأييد ورفض وارتباك أمام الضربة الغربية، بدا لأحد الشبان الخمسة أن شبح أم علي يدور في سماء مترع بدخان السجائر، ويشتم، ويبتسم أحياناً، ويسخر بمرارة في أغلب الأحيان.

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة، إنما تمثل رأي كاتبها.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق