مستقبل سوريا: بين مجزرتين

مستقبل سوريا: بين مجزرتين
القصص | 26 أغسطس 2013

 إيلي عبدو | لم تكد تتكشف الأنباء عن مجازر مروعة ارتكبت في ريف الساحل ضد أبناء من الطائفة العلوية حتى امتلأت شاشات الفضائيات بصور أطفال وشباب ونساء في الغوطتين الشرقية والغربية بريف دمشق، وقد اختنقوا إثر استهدافهم من قبل قوات النظام بالسلاح الكيماوي.
 ولعل المقارنة بين المجزيتين تفتح مجال الأسئلة حول مستقبل سوريا والعلاقة التي ستجمع مكوناتها الأهلية والطائفية في الحاضر والمستقبل. ذاك أن منفذي المجزرتين، كتائب إسلامية في الساحل وقوات نظامية في ريف دمشق، يتعديا بتكوينهما الحالة العسكرية نحو التماهي والارتباط العضوي بحواضن أهلية وطائفية تمدهما بالعنصر البشري وتقدم جميع سبل الدعم النفسي والمعنوي.

 وإذ كان يصح إعتبار العلاقة بين المقاتلين الإسلاميين وبين الأكثرية السنية في سوريا متأرجحة بين الدعم لقتال النظام والرفض لمنظومات اجتماعية دينية متشددة، فإن العلاقة بين الأقلية العلوية والنظام باتت شبه محسومة على ضوء التطورات الأخيرة في قرى الساحل.
 لقد تجند العديد من الشبان السنة في بعض كتائب المعارضة المسلحة تحت عنوان إسقاط النظام ليعتمدوا لاحقاً خطاباً ممذهباً لا يخفي رغبته باستهداف العلويين. الأمر الذي تكرر على الضفة الآخرى، إذ تكونت لجان شعبية وقوات دفاع وطني تؤكد في العلن مساعدة النظام في حربه ضد (الإرهابيين) وتستبطن في الخفاء إعلان الحرب على السنة.
هكذا تطور مشهد الصراع العسكري في سوريا بين جيش نظامي وبين كتائب معارضة، ليتداخل مع أبعاد أهلية وطائفية. لقد أفرزت التطورات الميدانية على الأرض تأثيرات نفسية جماعاتية على البيئات الحاضنة لكلا طرفي الصراع، فلم يعد مهماً حصول المجزرة على الأرض طالما أن مفاعليها تتخذ مسارات تهويلية في مخيلات الجماعات السورية.

 في الوعي السني لم يعد النظام هو من يقتل ويقصف ويعتقل بل العلويين جميعاً، لتصبح المعارضة عند الجماعة العلوية عبارة عن مجاميع سنية سلفية، تريد إبادتهم، ما يفسر إقدام شاب علوي مؤيد للنظام على كتابة ستاتوس على صفحته في الفيسبوك يقول فيه ( مجزرة ريف دمشق هي رد على مجازر الساحل).
 هذه العناصر الداخلية - الطائفية للواقع السوري، لا تقل أهمية عن العناصر الخارجية التي تتحكم بخيوط اللعبة وترسم وجهتها من الناحية السياسية، لكن الغلبة تبقى للداخل في تحديد جوهر العلاقة بين الجماعات التي تؤلف مستقبل المجتمع السوري. فقد نخرج من المأزق الذي نحن فيه بتسوية بين أطراف النزاع الدوليين بدون أن يتلازم ذلك مع ترتيب العلاقة بين أطرافه الداخليين، ما يترك المجال مفتوحاً لصراعات أعنف في المستقبل.

على الأرجح ، نحن بحاجة إلى الشجاعة الكافية لتظهير البعد الطائفي في الصراع الدائر الذي يتعدى النظام المتمثل بعائلة الأسد والمعارضة المتمثلة بالإئتلاف الوطني. لإعادة صوغ العلاقة بين الأكثرية السنية و بقية الأقليات، ذاك أن سلوك العلويين في دعمهم للنظام الحالي هو جزء من سلوك ينسحب على بقية الأقليات في سوريا وإن بدرجات ومستويات متفاوتة.

 بين مجزرة الساحل التي جاءت بعد مقتل عدد من المسيحيين في وادي النصارى و سلسلة تفجيرات في منطقة جرمانا ذات الغالبية الدرزية، وبين مجزرة ريف دمشق الكيماوية. يبدو مستقبل سوريا أسير مجزرتين، إذ تطغى الجثث والأشلاء على لغة السياسة حين تكون الأخيرة عبارة عن شعارات جوفاء تتغزل بوحدة المجتمع و تعلق على مشجب النظام كل تصدعاته الطائفية، فيصبح العمل السياسي تحديداً لدى المعارضة منفصل عن الواقع، إذ يسارع الإئتلاف الوطني بعد حصول مجزرة ما، يتداخل فيها العسكري بالطائفي، بخطاب يحمّل النظام المسؤولية بدون أن يتجاوزهذه البديهية نحو وضع حلول تخرج من بلادة الإيديولوجيا نحو واقعية سياسية، تأخذ في عين الإعتبار حقيقة التنوع في المجتمع السوري.

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة وإنما تمثل رأي كاتبها.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق