تحرير العقول للدخول في التاريخ

تحرير العقول للدخول في التاريخ
القصص | 24 أغسطس 2013


بعد انتقال الحضارة من يد العرب، إلى أمم أخرى، صارت الثقافة الإسلامية جزءً من نسيج التاريخ البشري. وبات التفكير في استعادتها، نوعاً من التهويم الذهاني، يزيد في ابتعاد الحالمين به عن الحضارة، التي لا تفتأ تغزّ السير قدماً، وبخطوات ضوئية.
ولكن، الغريب حقاً، أن يبقى الإسلامي العربي- دوناً عن اليوناني والروماني، وحتى عن المسلم التركي أو الهندي أو الأندونيسي أو الماليزي- رهين حمّى استعادة التاريخ، بل الأصح ان نقول العودة للسكن في التاريخ؛ مشدداً على أن تفسير الآية" فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"، يقصد التهديد والوعيد للكافرين- على مذهب ابن عباس- بينما لا يمكن لصريح الدلالة، هنا، أن يكون أقل مدّاً وإتاحة للحرية أمام الإنسان، من تلك التي أباحها الله لإبليس، الذي كان كبير الملائكة، ويفترض أن حسابه أشد. فبدلاً من ذلك، يرى شيخ (الوسطية) القرضاوي"إن طبيعة الإسلام أن يكون قائدا لا مقودا، وسيدا لا مسودا، لأنه كلمة الله، "وكلمة الله هي العليا" ولهذا فهو "يعلو ولا يعلى". ويحلم الإسلامي المتشدد بالعيش في ظلال السيوف، لتطويع العالم( الكافر)، لجعل "كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى". يكاد لا يجاريه في هذا غير الإسلامي الباكستاني والأفغاني؛ اللذين تلقفا منه هذا الإيمان، ليعكساه خراباً على الأرض، وانقطاعاً عن الحضارة الإنسانية، ونموّاً معكوساً- يشبه نمو شعر الجسم نحو نسيج اللحم، ليورث صاحبه ضرراً مضاعفاً: خسارة وظيفية وجمالية، وآفات مرَضيّة تورث المعاناة.
يرتاح البعض لحمل قناعات تداعب الخيال، ولكنها لا تجدي في الملمات. وإن كان هذا مفهوماً على المستوى الشخصي؛ لكنه ليس مقبولاً البتة على المستوى الحضاري للجماعة.
من هذه القناعات مثلاً أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان. كما كان يحاجج رمضان البوطي، في محاولة التوفيق بين الشريعة والاستبداد. مطوّعاً الأولى لخدمة الثاني. فهو يقول بأننا يمكننا تجديد أثاث المنزل متى شئنا؛ ولكننا لا يمكننا تجديد الشريعة؛ هكذا، قالباً المنطق على رأسه. بجعل الإنسان في خدمة الشريعة، لا العكس. حيث يمكن للإنسان التعايش ببساطة مع أثاث المنزل القديم، بمعاناة أقل؛ بينما تقتضي حاجته، ألا يتأخر لحظة عن تجديد ما بلي من الشرائع والسنن والأفكار. وإلا وجد نفسه خارج التاريخ.
لكن وظيفة حارس المقدس، لم تكن يوماً تشغيل العقل- ميزة الإنسان عن المخلوقات- وتجديد الأفكار. فبينما خُصّ المجتهد بأجرين على الصواب أجرٍ على الخطأ(!)؛ بقي من يشغل عقله بحرية موضع تتبع وتسقط وضبط أخطائه؛ لرميه بتهمٍ والحكم عليه بأحكام تعيق حريته، وتعيده إلى الحظيرة.
من تلك التهم، مثلاً، خدمة الأعداء والكفار، باستجلاب ثقافة الغرب، عبرالتقليد الأعمى، التي لن تفيدك، إذ لا يمكنك جعل الشرق غرباً، و لا الغرب شرقاً..؛ وهو منطق كنتَ لتحترمه، لو اعتمد مبدأ رفض التقليد الأعمى بالمطلق. ومنه رفض تقليد الأقدمين- سواء منها ما يتصل بالمقدس الإسلامي أوالمسيحي أو سواهما من المقدسات التي عجنت منها ذهنيات الشرق المغلقة؛ فيصبح عقلنا متقبلاً لفكرة أن الاستنجاء المحمدي، هو ضرب من الطهارة- يمكن أن تتقدم عليه الحضارة بعد فترة قصيرة- وليس ثلاث حجرات نمسح بها الدبر، بعد التغوط. أو لفكرة أن معجزة المسيح في جعل الأبكم يتكلم، هي كناية عن جعله ينتصر على الخوف والموانع، بما يشبه- ولكنه لا يغني عن- مبادئ جنيف لحقوق الإنسان اليوم.
والآن، لكي نقبض على حرياتنا وحقوقنا، ونساهم من جديد في صنع الحضارة البشرية؛ هل علينا العودة إلى الماضي- تحت عناوين منها العودة إلى ديننا- أم انه ينبغي فينا التقدم بلا خوف، منطلقين من حقيقة أن ماضينا يكمن فينا- كمون النار في الخشب- فلا يجديه ولا يجدينا الهروب إلى نقطة تقع قبلنا في الزمان؛ بل الرهان يقوم على كيفية استثمارنا لمخزوناتنا الثقافية، وثرواتنا الفكرية، والتي منها الأديان، وليس العكس كما يتوهم من يتهيبون النظر إلى الدين من منظور ندّي، قابلٍ للإثراء بالعقول عبر النقد والفهم و الحذف والإضافة والتجديد..الخ؛ فيخسرون كنوزه، ويتسببون له وللثقافة الإسلامية بالإتقاع والخسارة، في محيط عظيم من الثقافات التي تزدهر وتنمو بلا توقف..؛ ليحكموا علينا بالبقاء عبيد نقليات مشحونة بالتقديس والترهيب، سواء ما بات منه مفوتاً تاريخياً، أو ما بات محض سخافات. أو أيضاً ما هو محض أقفالٍ على العقل، و قيود على الملكات.

----------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة، وأنما تمثل رأي كاتبها


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق