ما قبل السياسة في سوريا وما بعدها

ما قبل السياسة في سوريا وما بعدها
القصص | 10 أغسطس 2013

بكر صدقي | انتقل مجتمع السوريين مع بداية ثورات الربيع العربي، فجأةً، من الحرمان السياسي المطلق إلى قلب السياسة. فقبل بضع سنوات فقط كان عشرات المعارضين السوريين يتجمعون في مناسبات قليلة في قلب العاصمة دمشق، فلا يأبه لهم أحد من آلاف المارة حين ينقض عليهم عناصر أجهزة المخابرات والشبيحة ضرباً واعتقالاً. حدث هذا أمام مبنى مجلس الشعب وأمام القصر العدلي وفي أماكن أخرى، في السنوات الأولى من عهد بشار الأسد.
ثم كانت ثورة تونس ومصر وليبيا واليمن، فاستيقظ توق سوري إلى الحرية بعد سبات عمره نصف قرن. في مظاهرة سوق الحريقة الشهيرة، شباط 2011، رأينا السوري الجديد الذي لا يشبه نفسه كما عهدناها. إنه الفاعل الشجاع ذو الإرادة.

مع توالي الأيام والأسابيع والشهور انضمت جموع جديدة إلى الحركة الاحتجاجية التي تحولت بسرعة إلى انتفاضة، فثورة. وهكذا انخرطت فئات جديدة في السياسة وأخذت تتعلم ألف باءها من خبرتها الشخصية المباشرة. بدت السياسة، لمن انخرطوا فيها، علماً بسيطاً يتلخص في حشد الجموع للخروج في مظاهرات تنادي بإسقاط النظام. كانت دوافع الناس مختلفة وتطلعاتهم غائمة، يجمعهم رفض الوضع القائم والحلم بحياة أكثر حرية وكرامة وعدالة.
وسرعان ما أحسوا بالحاجة إلى من يملكون الخبرة السياسية، فطالبوا بتوحيد قوى المعارضة التقليدية في إطار يمثل ثورتهم كسلطة بديلة عن النظام في المحافل العربية والدولية.

كانت هذه المعارضة تعيش حالة من الدهشة أمام ما يجري، قادمة من خلفيات أيديولوجية متباينة وتصورات نظرية غائمة عن التغيير الذي طالما طالبت به. بدا للوهلة الأولى أنها لا تتعرف في العملية التاريخية الكبيرة الجارية أمام أنظارها على تصوراتها الذهنية الراسخة عن التغيير المرتجى التي طوت أعماراً وأجيالاً منها. كان الانشقاق الأول الكبير في صفوف المعارضة التقليدية بين من أخلصوا لتصوراتهم الذهنية فأنكروا الثورة الحقيقية المندلعة، وبين من حاولوا التوفيق بين الذهني والمعاش أو انحازوا للثاني حتى لو كان على حساب الأول.

لم ينتهِ هذا الفرز الأولي إلى النتيجة المرجوة، فقد ظهرت عوامل جديدة معيقة لوحدة المعارضة السياسية التي أعلنت انحيازها التام للثورة، أبرزها الطموحات الشخصية واستسهال التشبيك مع الأجندات العربية والدولية. يمكن القول بالإجمال إن المعارضة التقليدية فشلت في امتحان الثورة فشلاً أدى إلى تقوية النظام وإطالة أمد المخاض الدامي أمام ولادة سوريا الجديدة.
أدى هذا المسار إلى فقدان ثقة مجتمع الثورة بالمعارضة السياسية التي فشلت، ليس فقط في قيادة الثورة، بل أيضاً في تقديم أي مساعدة ذات شأن للسوريين الواقعين تحت مطرقة الأسد التي لا ترحم. بات الوضع بحاجة إلى "ثورة سياسية" على المعارضة تطيح بها وتنتج معارضة جديدة عضوية من قلب الثورة. ولكن أين لهذا الهدف أن يتحقق في ظل قعقعة السلاح ودخول اللبناني والعراقي والإيراني والشيشاني والليبي ومن كل أمم الأرض على خط الصراع الدموي الذي أخذ يتحول بصورة تدريجية إلى حرب أهلية أحد أطرافها فقط نظام الأسد؟
برغم كل هذه التعقيدات المضافة، ما زال المكون المدني للثورة يصارع من أجل البقاء في شكل مجالس محلية أو تنسيقيات أو مجموعات إعلامية وإغاثية وغيرها من الفعاليات. لكن المستوى السياسي يبقى هو الغائب الأكبر اليوم "في الداخل"، بخاصة وأن الأطر المؤسسية للمعارضة في الخارج ترفض بعناد الانتقال إلى الداخل، الأمر الذي يشير أيضاً إلى انفصالها المادي والمعنوي عن المناخ الوطني وعن أهداف الثورة، لتتشكل مصالح فردية أو حزبية منفصلة عن المصلحة الوطنية إن لم نقل متعارضة معها.
يفتقر مجتمع الثورة إلى الخبرات السياسية، إضافة إلى إفساده بصورة متفاقمة من قبل المعارضة التقليدية. وكثرت محاولات إنشاء أطر أو مبادرات سياسية جديدة إلى درجة فقدان الثقة التامة بأي مبادرة جديدة مهما كانت نواياها طيبة.
انتقل السوريون، فجأةً، من عصر ما قبل السياسة إلى ما بعدها، قافزين فوق السياسة، فوقعوا في العدم.

*مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة وإنما تمثل رأي كاتبها


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق