بذور سوريا: لماذا يجب علينا دق ناقوس الخطر؟

البذور المخزنة في مركز إكثار البذور في القامشلي، شمال شرق سوريا، 10/ 10/ 2022 (سوريا على طول/ ليز موفة)
البذور المخزنة في مركز إكثار البذور في القامشلي، شمال شرق سوريا، 10/ 10/ 2022 (سوريا على طول/ ليز موفة)

خدمي | 06 نوفمبر 2022 | ليز موفة, سولين محمد أمين

في مقهى صغير وسط مدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، تلمع عينا محمود محمد وهو يستذكر الأيام الأولى من عام 2013، عندما انسحب النظام السوري تاركاً مقرّاته ومؤسساته لتحالفٍ من القوى المسلحة والأحزاب السياسية بقيادة سكان المنطقة من الأكراد والسريان والعرب، الذي سرعان ما شكّل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وهي سلطة أمر واقع، ما تزال تحكم المنطقة إلى الآن.


بينما اتجهت كل العيون، آنذاك، إلى الحرب المستعرة بين الحكومة السورية والفصائل المسلحة، وكذلك النفوذ الجهادي المنبثق في صحراء سوريا، كان محمد يحارب على جبهةٍ أخرى.

“كانت بداية عهد جديد، وكنا نحاول حفظ الموارد التي نملكها بين أيدينا”، قال محمد لـ”سوريا على طول”، وأضاف مع ابتسامة عريضة ارتسمت على محياه: “كانت مسألة عظيمة، مسألة الأمن الغذائي، والسيادة الغذائية”.

اقرأ أيضاً: ارتفاع أسعار البذور وقلة مياه الريّ.. صعوبات تؤثر على مزارعي القامشلي



لعدة أيام متتالية، جاب محمد مع مهندسين زراعيين شمال شرق سوريا لإنقاذ بذور القمح، ونظموا زيارات لمراكز البحوث الزراعية، ومنظمات إكثار البذور، ومربي البذور المتعاقدين معهم. بالمحصلة، تكللت جهودهم بتأسيس شركة تطوير المجتمع الزراعي، خلال سنوات الحرب الأولى، لتسد الفراغ الذي تركته مؤسسات النظام، وكان محمد، الذي اختار اسماً مستعاراً لدواع أمنية، أحد المؤسسين لها.

“كان ذلك أثناء الحرب، أي لم يكن أحداً مهتماً بأمر البذور”، كما قال محمد. وأضاف: “لكن لو لم نقم بذلك حينها، لكانت الأزمة الزراعية أسوأ بكثير مما هي عليه الآن. إذ من دون الموارد التي جمعت آنذاك، لما كان بإمكاننا توزيع البذور وزراعتها وإطعام الناس كل هذه المدة”.

ولكن، يعلم محمد جيداً أن هذه الجهود وصلت إلى حدودها القصوى.

في منعطفٍ خطير، تكابد سوريا اليوم من أجل زراعة قمحها، وهي الموطن التاريخي لأصناف القمح والشعير، والمهد الذي اكتشفت الإنسانية فيه الإمكانيات الاستثنائية للحبوب، وتعلمت فيه كيفية زراعة البذور وإكثارها وحصادها. 

في 2021، انخفض الحصاد إلى نحو مليون طن، بعد أن كان 2.8 مليون طن في العام الذي سبقه، وما يزيد عن 4 مليون طن سنوياً قبل الحرب. في شتى أنحاء سوريا، يشكو المزارعون من انخفاض المحاصيل، ويعزون ذلك إلى قلة الأمطار والأسمدة والري، إضافة إلى تدني نوعية البذور.

كانت سوريا مقراً لمراكز بحوث زراعية معروفة على مستوى العالم، وإحدى أكبر بنوك البذور عالمياً، التي تخزن فيها آلاف الحبوب البلدية والنباتات البرية، غير أنّ الحرب بعثرت هذه المصادر، وتلك الحبوب التي صمدت على مدى عشرة أعوام تقريباً، تزرع وتحصد ويُعاد زراعتها في دورة لا متناهية في طريقها الآن إلى النفاد. إذ إن المؤسسات المعنية بزراعتها وتوزيعها تفتقر إلى الخبرة والوسائل اللازمة للقيام بمهمتها.

وتزامن ذلك مع التغيّر المناخي، إذ لم تعد الأصناف المحسّنة منذ عقود تفي باحتياجات المزارعين، الذين يكافحون من أجل التكيف مع تقلبات الطقس السريعة ومستويات هطول الأمطار.

حكاية بذور سوريا لا تتجرأ عن حكاية ناسها ومؤسساتها، فكيف لبلد كان يتمتع بالاكتفاء الذاتي في الحبوب أن يفتقد الوسيلة إلى إنتاجها، وأن يترك المزارعين مكتوفي الأيدي أمام التغيرات المناخية وموجات الجفاف؟ وكيف استنفذ منجم التنوع الوراثي الطبيعي إلى هذا القدر؟
 

الجزء الأول: خسارة الأراضي


يبدو تغير المناخ في شمال شرق سوريا واضحاً، حيث درجات الحرارة حالياً أعلى بنحو 0.8 درجة مئوية مقارنةً بما كانت عليه قبل قرن، فيما انخفضت معدلات هطول الأمطار، لا سيما في العامين الماضيين، في ظل جفاف تاريخي.

التغير المناخي أصبح بمثابة كبش فداءٍ جاهز، لا سيما في العراق وسوريا، حيث يشير القادة السياسيون باندفاع إلى أنّ انخفاض معدلات هطول المطر هو السبب الأساسي وراء ما يقاسيه المزارعون من ويلات. لا شك أنّ ارتفاع درجات الحرارة، وقلة هطول الأمطار أثرّ بشدة على المحاصيل البعلية، إضافة إلى مشاكل الري وغيرها من التحديات المعقدة.

لكن، إذا نظرنا عن كثب إلى واقع الزراعة السوري، نرى أنّ أسباب تراجعها الحالي تعود إلى عقودٍ طويلة تسبق ظهور آثار التغير المناخي الأولى، والمردّ الأكبر لهذا التراجع إلى القرارات، التي لا تتسم ببعد النظر، وإلى الأزمات الناجمة عن الإنسان، وليس إلى بضعة أعوام من الجفاف.

                                                  المزارعة أمل، وهي  تقف إلى جانب حوضٍ تغذيه الينابيع في قرية معشوق على مشارف القامشلي، 27/ 09/ 2022 (ليز موفة)
 

مؤسسات ذات شهرة عالمية


وصل حزب البعث العربي الاشتراكي (الحاكم) إلى السلطة في سوريا في ستينيات القرن العشرين، بهاجس سياسي يتمثل في: تحسين الإنتاج الزراعي لضمان الاكتفاء الذاتي، وهو المتطلب الأساسي لدولةٍ قويةٍ ذات سيادة.

تاريخياً، يلجأ المزارعون في سوريا وحول العالم إلى زراعة السلالات المحلية: أصناف من المحاصيل المحلية التي يختارها المزارعون لإكثارها بأنفسهم. ولكن منذ ظهور التربية العلمية للنباتات في أواخر القرن التاسع عشر، عمدت الكثير من الدول إلى إنتاج أصناف “محسنة”، يتم اختيارها بشكل أكثر منهجية، والتي يمكن إعادة إنتاجها وتوزيعها على نطاق أوسع. “الصنف” هو مجموعة من النباتات الفردية من نفس المحصول تم اختيارها نظراً لخصائصها وسماتها المشتركة، كأن تكون ذات طول، أو لون معين، أو عائد مرتفع، أو تكون متكيفة جيداً مع بيئة معينة.

لهذه الغاية، أسس القادة السوريون مؤسسات قوية مهمتها تحديث القطاع الزراعي. في ستينيات القرن العشرين بدأ أول برنامج علمي لتربية النباتات في البلاد بتأسيس مديرية البحوث العلمية الزراعية (DASR) التابعة لوزارة الزراعة، وبرامج حكومية أخرى مثل بنك البذور في دوما، وهو برنامج حكومي تابع لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي.

دُعيت مراكز أبحاث مستقلة إلى سوريا لتطوير أصناف بذور عالية الغلة، وبحلول عام 2011، كان هناك مركزان رئيسيان في البلاد: المركز العربي لدراسة المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد)، الذي تأسس في دمشق عام 1968، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، الذي تأسس عام 1977 في لبنان، ومن ثم انتقل إلى سوريا خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

تم تكليف مركز إيكاردا، التابع للأمم المتحدة، بتطوير أصناف المحاصيل الرئيسية، من قبيل: الشعير والعدس، للبلدان النامية، وأصناف القمح للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكونه واحداً من أفضل 15 مركزا للبحوث الزراعية على مستوى العالم، حظي إيكاردا بمكانة كبيرة لدى نظام الأسد، الذي منحه أرضاً مساحتها ألف هكتار بالقرب من بلدة تل حديا في ريف حلب، وكان من المتوقع أن يطور “إيكاردا” أصنافاً محسنة تتكيف جيداً مع البيئة السورية.

نجحت هذه الشراكة خلال العقود القليلة الأولى. بين عامي 1977 و2011، صادقت مديرية البحوث العلمية الزراعية على إصدار أكثر من 18 نوعاً من القمح، تم تطوير العديد منها بالشراكة مع “إيكاردا” و”أكساد”. تحمل هذه الأصناف مسميات تدل على منشأها: شام، بحوث، دوما، وما يزال المزارعون السوريون في أماكن كثيرة يستخدمونها حتى يومنا هذا.


“زواج صعب”


رغم هذه الإنجازات الجلية، “كان زواجاً صعباً منذ البداية”، على حدّ تعبير الدكتور سالفاتوري سيكاريللي، عالم الوراثة ومربي النباتات، الذي عمل مع إيكاردا في سوريا منذ عام 1980 حتى عام 2011.

تماشياً مع الخط الاستراتيجي للسياسة الزراعية في سوريا، كان لا بدّ أن يخضع تطوير وإصدار أي صنف بذور جديد إلى رقابة مركزية شديدة. لم يتمكن الباحثون من توفير البذور للمزارعين مباشرةً، وإنما للدولة أيضاً، بحسب سيكاريللي، مضيفاً: “تجري [الحكومة] تجارب في مناطق مختلفة، وبناءً على النتائج تقرر ما إذا كان سيتاح الصنف للمزارعين”.


تأثر العمل أيضاً بالمنافسة بين مراكز الأبحاث المختلفة، فضلاً عن الخلاف المتزايد بين المسؤولين الحكوميين، الذين يركزون على تحسين العائدات بما يتماشى مع السياسة الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والخبراء المستقلين ذوي الاهتمامات البحثية المختلفة كلياً.

قد يهمّك: ارتفاع أسعار البذور وقلة مياه الريّ.. صعوبات تؤثر على مزارعي القامشلي



كانت سياسة مديرية البحوث العلمية الزراعية في سوريا “تميل إلى تجاهل المناطق [القاحلة وشبه القاحلة]، مقابل التركيز على المناطق ذات الخصوبة في سوريا لإنتاج كل ما يحتاجونه”، بحسب سيكاريللي، معبراً عن رفضه لذلك “لأنهم لا يعون الأهمية البيئية للزراعة في المناطق الجافة، ودورها في منع زحف التصحر”.  

ركّز بحث سيكاريللي على الشعير، وهو محصول بعلي يمكن أن ينمو في بيئات قاسية، ويُزرع غالباً في الأرض الجافة والهامشية لاستخدامه كعلف للحيوانات. لتطوير أصناف تتكيف مع هذه الظروف، بدأ سيكاريللي بتزويد المزارعين مجموعة من البذور عالية الجودة من برنامج التربية التابع لمركز إيكاردا، وطلب منهم زراعتها في حقلٍ واحد واختيار الأصناف الأفضل أداءً.

سرعان ما تعارض هذا النهج التشاركي مع سياسات التحديث التي تنتهجها الحكومة السورية، ما اضطره في عام 2008 إلى تقليص حجم أبحاثه بشكل كبير، بعد تعرضه لضغط مباشر من وزارة الزراعة، التي اتهمته بـ”تهديد الأمن الغذائي الوطني”، على حد قوله. 


نظام مركزي


يرى سيكاريللي أنّ تجربته الشخصية توضح طريقة إدارة السلطات السورية للبذور آنذاك، من خلال إحكام السيطرة عليها منذ البداية حتى توزيعها.

“كان هدفي تزويد المزارعين في مناطق مختلفة من سوريا بأفضل الأصناف الملائمة لمناطقهم، بينما كانت فلسفة الحكومة السورية تقوم على زراعة الصنف نفسه في جميع أنحاء سوريا”، وفقاً لسيكاريللي، معتبراً أن “إنتاج كميات كبيرة من البذور من أصناف قليلة والتحكم فيها أسهل بكثير من إنتاج كميات صغيرة من أصنافٍ عديدة”.

بمجرد إصدار صنفٍ جديد، يُوزع على المزارعين من قبل المؤسسة العامة لإكثار البذار (GOSM)، وهي مؤسسة حكومية تأسست عام 1976، بصفتها المورد الوحيد المعتمد للبذور. بين عامي 1994 و1999، كانت المؤسسة توزع سنوياً نحو 170 ألف طن من الغلال الزراعية، تشكل نسبة القمح فيها نحو 94%. وبحلول العقد الأول من هذا القرن، زعمت المؤسسة أنها تؤمن سنوياً قرابة 300 ألف طن من بذور القمح المعتمدة للمزارعين السوريين.

تولت شبكة واسعة من المراكز الزراعية في جميع أنحاء سوريا إدارة عملية توزيع البذور، مع تعزيز أساليب الزراعة الجديدة وتقنيات الري والأسمدة والمبيدات الحشرية. منذ ثمانينيات القرن الماضي، أدت هذه الاستراتيجية الحكومية المشددة إلى التحديث السريع للزراعة، مع الاعتماد الكامل على الآلات والأسمدة.


بيعت أصناف البذور المحسنة بسعر مدعوم لتشجيع المزارعين على تجديد مخزونهم باستمرار. دفع الجفاف وفشل المحاصيل والوعود المغرية بزيادة الغلة المزارعين إلى التخلي عن بذورهم، لترتفع نسبة حقول القمح السورية المزروعة بأصناف حديثة، من 8% في عام 1973 إلى 55% في عام 1977، وبلغت 100% في نهاية التسعينات.


نجاح مذهل


في البداية، أشاد العلماء وصناع القرار، الذين كانوا معنيين بزيادة الأمن الغذائي في عالمٍ يشهد ارتفاعاً شديداً في النمو السكاني ومجاعات كارثية، بالتحول الزراعي في سوريا.

أشارت إحدى الأوراق البحثية في عام 2011 إلى أن “الوعي بأصناف القمح الحديثة والاعتماد عليها وعلى التقنيات المرتبطة بها زاد بشكل مذهل [في سوريا]. وبحلول عام 1999، اعتمد 87% من مزارعي القمح على زراعة أصناف جديدة من القمح، و99.5% يستخدمون الأسمدة التجارية، وأكثر من 90% يستخدمون المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية لتحسين معدل بقاء البذور. “خلال فترة قصيرة أصبحت البلاد مكتفية ذاتياً من مادة القمح، ولديها فائض للتصدير في السنوات الجيدة “، كما ذكر باحثون.

                                                  بذور القمح، مخزنة في مركز بالقامشلي تابع للمؤسسة العامة لإكثار البذار، بانتظار زراعتها مع بداية موسم الأمطار في تشرين الثاني/ نوفمبر، 10/ 10/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)

في المقابل، كان للنمو السريع في الإنتاجية عيوباً عدة، إذ زاد الاعتماد على نظام الإمداد الزراعي المركزي، الذي لم يكن مصمماً لدعم صغار ومتوسطي المزارعين من أجل الصمود، وإنما لزيادة الغلات.

على غرار تجربة سيكاريللي مع أصناف الشعير المنتقاة محلياً، هًمّشت الأصناف القوية، التي زرعها المزارعون المحليون على مدى قرون، لضمان إمداد مركزي وموثوق بالبذور تتحكم فيه الحكومة السورية.

لكن العديد من الأصناف الحديثة التي حلت محلها، صُممت لتنجح في ظروف “محسنّة”: في المناطق المروية أو الأكثر خصوبة في سوريا، وفي الحقول المخصبة والمعالجة كيميائياً. لم يكن معظمها مناسباً للظروف القاسية التي كانت تتحملها سابقاتها، ما جعل المزارعين يعتمدون على الأسواق التي تسيطر عليها الدولة على حساب السلالات البلدية التي كانوا يزرعونها.


الانهيار


مع اندلاع الثورة السورية، في عام 2011، كان مركز “إيكاردا” قد أنشأ العديد من المنشأت التجريبية في جميع أنحاء سوريا، وضم مقره الرئيسي في “تل حديا” بمحافظة حلب نحو ألف موظف تقريباً، بما في ذلك العديد من الباحثين الدوليين. 

وكان لدى المركز واحدة من أهم مجموعات البذور في العالم، فيها نحو 150 ألف عينة من المنطقة، العديد منها من سوريا، إلى جانب بذور تم إنقاذها من البلدان المنكوبة، التي شهدت صراعاً، مثل أفغانستان والعراق.

في عام 2012، عندما قوبلت الثورة بقمع وحشي دفع البلاد إلى فوضى، سحب “إيكاردا” موظفيه الدوليين من سوريا. لكن في السنوات الأولى للحرب، استمر العمل في بنك البذور بتل حديا، مدعوماً بمولدات تحافظ على برودة أقبيته عند سالب 20 درجة مئوية. بقيت البذور وواصل الموظفون السوريون تشغيل المنشأة لأطول فترة ممكنة، وكانوا يترددون يومياً حتى عام 2015 إلى بنك البذور، الموجود في مناطق تخضع لسيطرة فصائل إسلامية معارضة، بما في ذلك جبهة النصرة وأحرار الشام.

وقال سيكاريللي: “أكثر ما كان يجعل بنك البذور أصيلاً هو وجود النباتات البرية التي أنتجت منها محاصيلنا: القمح البري، والشعير البري، والعدس البري، والحمص البري”. هذه المادة الوراثية الثمينة، كانت النواة التأسيسية للزراعة الحديثة التي لا يمكن الاستغناء عنها.

انطلاقاً من ذلك، بدأ مركز “إيكاردا” في مضاعفة مجموعة البذور الخاصة به في عام 1985، وفي عام 2008، بدأ في إيداع أكثر من 116 ألف عينة في قبو سفالبارد للبذور، ويطلق عليه اسم “قبو يوم القيامة”، المحفور بسفح جبل في القطب الشمالي النرويجي لإيداع نسخ احتياطية من جميع البذور المعروفة على الأرض.

لذلك، عندما غادر المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا” سوريا، عام 2015، لم يفقد عشرات الآلاف من البذور التي جمعت على مدار 40 عاماً، لكن ضاعت عقود من الخبرة والشراكات الوثيقة بين مركز الأبحاث الدولي والخبراء السوريين، الذين شكلوا العمود الفقري لمؤسساتٍ زراعية غاية في القوة والمركزية.

سحب “إيكاردا” تدريجياً بذوره من قبو “يوم القيامة” في أعوام 2015 و2017 و2019، واستعاد بنك البذور الخاص به، الذي أصبح منقسماً بين عدة مواقع مختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لكن القطاع الزراعي السوري ما زال يترنح في محاولةٍ للتعافي.

أشار مؤلفو الدراسة، التي نشرت عام 2011، إلى أن النجاح الزراعي الذي احتفت به سوريا يتوقف على “وجود نظام بذور قمح قوي، إذ تتوفر البذور المعتمدة بأسعار معقولة ويستخدمها المزارعون بانتظام”.

عندما انهارت المؤسسات والأسواق الزراعية خلال الحرب، بما في ذلك نظام إمداد البذور المركزي التابع لـ”المؤسسة العامة لإكثار البذار”، بدأ المزارعون يشعرون بتبعات اعتمادهم وسرعان ما واجهوا مشكلة البذور.


الجزء الثاني: حفظ البذور


في السنوات الأخيرة، تضاءل حصاد المحاصيل في جميع أنحاء سوريا، لا سيما القمح، حيث انخفض إجمالي الإنتاج بنسبة 75% تقريباً بين عامي 2011 و2021، ويستمر المزارعون في الإبلاغ عن انخفاض الغلة.

كان لذلك تأثيرٌ صارخ على الأمن الغذائي. في عام 2022، تمكنت الإدارة الذاتية من شراء 450 ألف طن من القمح، أي أقل بـ150 ألف طن مما تحتاجه لإطعام الناس في شمال شرق سوريا. ومع ذلك فإن الوضع في المناطق الحكومية أكثر سوءاً، لأن معظم إنتاج القمح يتركز في شمال شرقي البلاد، أي خارج سيطرة حكومة دمشق.

تُعد مناطق شمال شرق سوريا القوة الزراعية في البلاد، وهي المكان الذي يُقرر فيه مصير محصول القمح في سوريا. 

بين عامي 2020 و2021 وحدهما، أبلغ المزارعون عن انخفاض بنسبة تتراوح بين 17 و55%، وفقاً لتقييم إنساني أجري في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وبلغ متوسط الخسارة في محافظة الحسكة 50%، ومن المتوقع أن تكون أرقام عام 2022 في نفس النطاق، علماً أن الأرقام هذه مخصصة فقط للمحاصيل المروية، وهي الأقل تأثراً بالجفاف الحالي.

وفي الوقت الذي يعد انخفاض هطول الأمطار مصدر قلق كبير، فإن التحدي الأكبر بالنسبة للمزارعين هو تدهور أداء البذور، لا سيما في محافظتي دير الزور والرقة، حيث يوجد عدد أقل من الأسواق والمؤسسات الزراعية مقارنة بالحسكة.

“ما زلنا نزرع نفس الأصناف التي تم تطويرها في أيام النظام، لكنها لم تعد تعطي نفس النتائج”، قال محمد، أحد مؤسسي شركة تطوير المجتمع الزراعي، مضيفاً: “لسنوات عديدة، كنت أزرع صنف دوما 4، غير أنني توقفت مؤخراً لأنّ مقاومته للآفات والأمراض والظروف الجوية انخفضت”.

في ظل تغير المناخ، “حتى تلك البذور التي كانت تعود بمردود جيد في الماضي قد لا تناسبها ظروف اليوم”، بحسب محمد.
 

المؤسسات الموازية


في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، عندما تشكلت الإدارة الذاتية، كحكومة أمر واقع في شمال شرق سوريا، ضمّنت سنبلة القمح في شعارها، مستوحيةً ذلك من كون حقول القمح تغطي مساحات شاسعة في المنطقة.  

أعادت الإدارة الذاتية فتح مراكز البحوث الزراعية وصوامع الحبوب التي تخلّت عنها الحكومة السورية، وأطلقت المؤسسة العامة لإكثار البذور الخاصة بها لجمع البذور وتخزينها ومضاعفتها وتوزيعها على المزارعين المحليين، لتأخذ على عاتقها مهام شركة تطوير المجتمع الزراعي، التي ما تزال الشركة الزراعية الأهم في المنطقة.

يمكن للمزارعين المسجلين في المؤسسة العامة لإكثار البذور التابعة للإدارة الذاتية الحصول على كمية محدودة من البذور المدعمّة والأسمدة والائتمان الزراعي. مقابل ذلك، يتوجب عليهم بيع جزء من محصولهم لصوامع حبوب الإدارة الذاتية بأسعار محددة. 

كذلك، تتعاقد الإدارة الذاتية مع بعض المزارعين لإكثار البذور، شريطة استيفاء معايير محددة، من قبيل امتلاك أراضٍ مروية لم تزرع بالقمح أو الذرة في العام السابق.

“عاماً بعد عام، يتزايد عدد مضاعفي البذور الذين نتعاقد معهم”، قال محمد عبد الحميد يونس، مدير مركز إكثار البذور في القامشلي لـ”سوريا على طول”. كان مركزه متعاقداً مع 30 مزرعة حول القامشلي في عام 2020 ووصل في عام 2021 إلى 80 مزرعة، ومن ثم إلى 164 مزرعة في عام 2022.

وعزا هذا التوجه إلى الوضع الصعب الذي يعاني منه المزارعون بعد عامين من الجفاف، لذلك بالتعاقد مع المؤسسة العامة لإكثار البذور يتسنى لهم الحصول على البذور والمدخلات عن طريق الائتمان، مشيراً إلى وجود آلاف المزارع المُتعاقد معها في محافظة الحسكة، حيث يتركز نشاط المؤسسة.

في عام 2022، تمكنت الإدارة الذاتية من تأمين 75 ألف طن من بذور القمح، وفقاً ليونس، وهو ما يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. يمكن للمزارعين أيضاً شراء البذور غير المدعومة من جيرانهم أو الأسواق المحلية، وهناك بين 30 و50% ، بحسب دراسات مختلفةٍ، يستخدمون البذور المخزنة من حصادهم السابق، فيما يحصل آخرون على البذور من منظمات غير حكومية، لضمان الجودة الثابتة وتجنب تعطيل إمدادات البذور، وتشتري تلك المنظمات البذور من الإدارة الذاتية بسعر غير مدعوم وتقدمه لبعض المزارعين. 

في هذا السياق، قال محمد الدخيل، الرئيس المشترك لهيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية لـ”سوريا على طول”: “تمكنا هذا العام من إنتاج كميات جيدة من بذور القمح، ربما تكفي لتغطية ما تحتاجه الأراضي المروية، ونأمل أن نتمكن في العام المقبل من تغطية شمال شرق سوريا بأكمله”، مشيراً إلى أن “ما وصلنا إليه اليوم هو حصاد عملنا لسنوات”

بالتوازي مع ذلك، وانطلاقاً من الوعي بمدى أهمية تأمين إمدادات البذور، أنشأت الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، التي أعلن عنها في محافظة حلب عام 2013، المؤسسة العامة لإكثار البذار، لاستيراد البذور وإكثار بذور القمح في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا. تحتفظ هذه المؤسسة، التي أنتجت في عام 2017 حوالي 9400 طناً من البذور، بـ17 صنفاً من القمح حالياً، ولا تطوّر أصنافاً جديدة.

أما في مناطق سيطرة حكومة دمشق، يكتنف الغموض المؤسسات الزراعية هناك، إذ لا تزال العديد من المؤسسات موجودة شكلياً، لكنها في الواقع منفصلة عن المناطق الزراعية الرئيسية في البلاد.

وفيما استولت سلطات الأمر الواقع على معظم مراكز البحوث الزراعية والصوامع، تتلقى دمشق الدعم من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، وبالتعاون مع “إيكاردا”، تعاقدت “الفاو”، عام 2019، مع عددٍ غير معروف من مربي البذور لمضاعفتها نيابة عن المؤسسة العامة لإكثار البذار التابعة للنظام.


تراجع مستمر


رغم الجهود المبذولة على مختلف الجوانب، يخوض المزارعون السوريون معركة خاسرة ضد التدهور الطبيعي للبذور بأصنافها المتنوعة. في كل عام، تنمو البذور التي لديهم بشكل أقل فعالية، ويتطلب فهم المسببات الغوص في كيفية عملية تكاثر البذور في مراحلها المختلفة.

كحال أي مجموعة من الكائنات الحية، تميل الأصناف النباتية إلى التنويع. يظهر بعضها كالأفراد “غير الطبيعيين “، والبعض الآخر يتداخل مع صنف آخر وينتج صنفاً بخصائص مغايرة للمجموعتين المكونتين له.

لضمان احتفاظ صنف ما بسماته الأصلية والمميزة، من الضروري إجراء عملية اختيار وفرز وتنظيف مستمرة، إذ إن إكثار الصنف، والارتقاء من عدد قليل من البذور “الأم” إلى الآلاف والملايين والمليارات، يحتاج إلى عملية يتم التحكم فيها بشكل كبير وتخضع لرقابة عالية.

تُعرف أفضل البذور، التي يُشتق منها صنف كامل باسم “البذور النواة”، وهي نقية وراثياً، ولم يتم خلطها مع بذور أخرى، كما لا يُسمح بتعريضها لبيئةٍ مفتوحة أو اختلاطها مع صنف آخر.

لإنتاج المزيد من البذور، يزرع الباحثون “البذور النواة” تحت إشراف علمي دقيق، ويُحصد الجيل الجديد للحصول على البذور “الأساسية” أو “الأصل”، التي تكاد تتطابق جينياً مع البذور النواة، لكنها متوفرة بأعداد كبيرة. مرة أخرى، يتم التحكم في البيئة قدر الإمكان للحفاظ على الخصائص المرغوبة للتنوع.

تالياً، تُزرع البذور الأساسية وتُحصد في مزارع متخصصة، وهكذا دوليك. في كل مرحلة من مراحل عملية إكثار البذور، تزداد احتمالية اختلاف البذور عن “البذور الأم”، أو أن تفقد نقاءها الوراثي أو تختلط مع أصنافٍ أخرى. يتضاعف هذا الخطر بمجرد خروج البذور عن رقابة مراكز البحوث الزراعية الخاضعة للإشراف وتسليمها إلى “مربين” خارجيين، وهم المزارعون الذين يتم التعاقد معهم لإنتاج كمياتٍ كبيرة من البذور.

في هذه المرحلة، تصل البذور إلى مرحلة “التسجيل”، ويمكن توزيعها على عموم المزارعين الذين ينتجون القمح المعد للاستهلاك، وتكون المرحلة التالية والأخيرة هي البذور “المعتمدة” من سلالة البذور “المسجّلة”.

أفضل إجراء للحفاظ على جودة البذور هو “إنعاش” الصنف باستمرار وذلك، بالعودة إلى باكورة المراحل ما أمكن، وإعادة البدء بالعملية لإنتاج بذور أساسية، مسّجلة ومعتمدة تتقارب إلى حد كبير مع البذور الأصل “الأم”.

في حالة سوريا، ضاعت البذور النواة التي تشكل أساس عملية الإكثار، كما أوضح محمد الذي له باع طويل في إنقاذ البذور، قائلاً بأسى: “أضعنا المصدر، أصل بذورنا، لا سيما القمح”.

                                                  بذور قمح مغربلة ومعقمة ومعبأة من إنتاج المؤسسة العامة لإكثار البذور التابعة للإدارة الذاتية، جاهزة للتوزيع على المزارعين لموسم شتاء 2023، 10/ 10/ 2022 (ليز موفة، سوريا على طول)
 

البحث عن الأصول


“كان في كل مركز للبحوث الزراعية بنوك بذور صغيرة”، ومع سيطرة الإدارة الذاتية على مؤسسات النظام في شمال شرق سوريا، بما فيها المراكز الزراعية “حاولت الحفاظ على كلّ ما فيها”، كما قال أحد الموظفين في مركز إكثار البذور في القامشلي لـ”سوريا على طول”.

ولكن في أحسن الأحوال، تمكنوا من استعادة مجموعة صغيرة من أصناف القمح الأساسية من أصل 18 صنفاً، وليس فيها “البذور النواة”، ويتم إعادة إنتاج معظم الأصناف الأخرى عاماً بعد عام من بذور “معتمدة” قد تكون تباعدت بشكل كبير عن أصولها، والتي تتناقص إنتاجيتها بشكل مطّرد.

لا شكّ أنه تم الاحتفاظ ببعض “البذور النواة” في بنوك البذور من قبل مطوريها “إيكاردا”، “أكساد” ومديرية البحوث العلمية الزراعية، عبر إرسال عينات إلى قبو سفالبارد، قبل عام 2015، لحفظها.

ولكن نظراً إلى أنّ الإدارة الذاتية كياناً غير معترف به، لا يحقّ لها سحب البذور من سفالبارد، أما بالنسبة إلى “إيكاردا” “ليس لدينا أي تواصل مباشر معهم”، كما قال الدخيل، الرئيس المشترك لهيئة الزراعة والري في الإدارة الذاتية، رغم المحاولات المتكررة للعمل مع المركز المتخصص بالأبحاث.

بقي مركز “إيكاردا” ينفذ مشاريعاً في مناطق سيطرة النظام السوري، حتى عام 2019، لكنه غير قادر أو غير راغب بالعمل مع الإدارة الذاتية ولا حتى مع المعارضة السورية، وقد حاولت “سوريا على طول” التواصل مع المركز للحصول على تعليق رسمي، لكنها لم تتلق رداً.

حاولت المؤسسة العامة لإكثار البذور التابعة للإدارة الذاتية أن تطوِّر أصنافها الخاصة، تحت اسم “روجافا”، وهو الاسم الكردي للمناطق الكردية في سوريا. ولكن تنقصهم “الخبرة والمواد الوراثية”، وفقاً للدخيل، قائلاً: “نأمل حقاً في إيجاد سبيل للتواصل المباشر مع إيكارداً بهدف تطوير أصناف بذور جديدة وتحسينها”.


استيراد البذور؟


حتى الآن، تقاوم سلطات الأمر الواقع في شمال شرق سوريا فكرة استيراد بذور القمح. إذ في حين يجلب التجار بذور الخضروات من القطاع الخاص بانتظام، ما يزال استيراد حبوب القمح محدوداً ومقتصراً على ثلاثة أو أربعة أصناف، ويرجع ذلك إلى غياب إمكانية التحكم بجودة النوعية.

“لا يمكننا المجازفة بإفساد الأصناف السورية المتبقية، وخسارتها إلى الأبد”، قال محمد، مستأنفاً: “ولن نكون قادرين على استيراد البذور دائماً. علينا أن نحافظ على الموارد التي لدينا”.

وعدا عن أن أصناف البذور الأجنبية المستوردة أقل تكيفاً مع البيئة السورية، فإن عدم خضوعها لرقابة جيدة قد تفتح الباب أمام أمراض جديدة أو الديدان الخيطية أو المحاصيل المعدلة وراثياً، ما يشكل تهديداً أكبر للأمن الغذائي.

يمكن لمختبرات الإدارة الذاتية “اختبار جودة البذور بناءً على عدد من العوامل، والتأكد من خلوها من الأمراض [كالديدان الخيطية]”، وفقاً للدخيل، لكن “مختبراتنا ليست متطورة، وليس لدينا معدات للنظر في التركيب الوراثي للمحاصيل”، موضحاً أنّ لديهم “مختبراً واحداً متخصصاً في اختبارات الحمض النووي DNA ، ولكنه لم يدخل حيز التشغيل”.

في حالة استثنائية واحدة، جلبت منظمات غير حكومية ممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثلاثة آلاف طن من بذور القمح من العراق، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021. ووفقاً لمصادر في قطاع المنظمات غير الحكومية، تم توزيع نوعين من القمح على مراكز الإكثار المحلية من أجل تكييفها مع البيئة السورية على مدار عدة مواسم زراعية. 

وبخلاف ذلك، امتنعت المنظمات غير الحكومية عن استيراد بذور القمح، ‏ولكن قد لا يكون أمامها حل آخر في المنظور القريب، خاصة أن المؤسسة العامة لإكثار البذور التابعة للإدارة الذاتية “في مرحلة العجز حالياً”، كما قالت لـ”سوريا على طول” لورين برهان، نائبة منسق مجموعة عمل الأمن الغذائي وسبل العيش في منتدى المنظمات غير الحكومية في شمال شرق سوريا، مشيرةً إلى أنهم “يفكرون في استيراد بذور القمح، ويوماً ما، ربما بعد خمس سنوات لن نأتِ على ذكر أصناف القمح المحلية”، محذرة من أن “هذا هو الخطر الكبير الذي نحن بصدد وقوعه”.

ورأت برهان أن سوريا تحتاج “إلى الخبرة والخبراء والمختبرات”.

                                                  تعبئة بذور القمح في القامشلي لموسم شتاء 2023، 10/ 10/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)



الجزء الثالث: العودة إلى الأصول


طيلة 15 عاماً لم تشتر أمل حبة خضار واحدة “ولا حتى الحبة السوداء”، أي منذ زواجها وانتقالها للعيش في قرية معشوق الصغيرة بريف القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة.

‏تزرع كل ما تحتاجه في فناء منزلها، وعلى ثمانية دونمات من الأراضي الزراعية المستأجرة المزروعة بمختلف أنواع الخضار والأعشاب، من قبيل: الملوخية والكزبرة والبصل والباذنجان والجرجير والبامية ‏وغيرها.

في البداية، اخضرت حديقة أمل ونمت مزروعاتها بفضل كرم جيرانها، الذين منحوها البذور. لكن بعد ذلك، في كل موسم حصاد تُخزِّن أمل، كما غيرها من المزارعين في القرية، البذور للموسم القادم، مشيرة إلى أنها تفضل “تحضير البذور الخاصة بي لأنها أقل تكلفةً وأكثر نجاحاً”، كما قالت. ولا تشتري البذور إلا لمحاصيل معينة، أو عندما لا يكون عندها شيء يُمكن حصاده. 

لعب المزارعون دوراً رئيسياً في إدارة الموارد الوراثية لمحاصيلهم، واختيار البذور بناءً على خصائصها المرصودة، أو جودة المحصول، أو مقاومتها المتصورة للأمراض والجفاف. جراء عملية الاختيار المستمرة هذه، ظهرت المئات من السلالات المحلية التي تتكيف مع مناطق محددة.

اليوم، قد تفضي عقود من السياسات الزراعية المجحفة والحرب والصعوبات الاقتصادية إلى القضاء على إرث سوريا من البذور. فمع مرور الوقت، أدى ظهور الأصناف التجارية إلى تخلي الكثيرين عن اختيار البذور والاستعاضة عنها بالبذور التجارية، التي يُنظر إليها -وفي ذلك وجه حق- أنها أكثر إنتاجية وجاهزية.

لكن، مع توقف المزارعين عن إنتاج بذورهم الخاصة، بدأت السلالات النباتية بالتلاشي أسرع من أي وقت مضى، واختفت معها الموارد الوراثية الثمينة.
 

فقدان السلالات


تشهد سوريا تراجعاً مستمراً في تنوع السلالات، إذ بحسب دراسة أجراها خبراء سوريون في مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب سوريا، في عام 2022، “لم يبق سوى خمس سلالات قمح من أصل عشرة كانت تنتشر زراعتها”، كما انخفض عدد أجناس الفصيلة البقولية التي يستخدمها المزارعون من 23 إلى 11. ومن أصل 27 من السلالات النباتية المعروفة، لم يعد يُزرع سوى 14 في المنطقة.

                                                  بعض قرون البامية في قرية معشوق، تُركت من دون قطاف حتى تنضج ليستخلص منها بذور الموسم المقبل، 27/ 9/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)

عندما سُئل المزارعون عن سبب تخليهم عن سلالة معينة، أجاب نصفهم بأنهم لم يعد لديهم بذورها، وجزء من ذلك مرده إلى إلى الحرب والنزوح، التي تسببت بخسارة العديد من المزارعين لمخزونهم.

آياً كان السبب، تحل الأصناف التجارية المستوردة، على نحو متزايد، من تركيا وغيرها محل بذور المزارعين، لأن البنية التحتية المتبقية في سوريا وجهود تطوير البذور وتوزيعها تركز على القمح.

عزا صاحب أحد المحلات الزراعية في مدينة القامشلي، استخدام البذور المستوردة إلى كونها “أفضل من البذور السورية، لأنها معدّة بطريقة أفضل، ومعالجة كيميائياً، وبالتالي تعطي مردوداً أفضل”، كما أوضح لـ”سوريا على طول”، وتُعرض على أرفف محله بذور البندورة والباذنجان هندية المنشأ.

ولكن، يفوق سعر البذور المستوردة الأصناف المحلية بأضعاف مضاعفة، كما أن أسعارها قابلة للارتفاع والتأثر بسعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأخرى. يدفع المزارع في الحسكة 24 دولاراً أميركياً (100000 ليرة سورية تقريباً) لشراء ألف بذرة البندورة المستوردة من الهند، مقارنة ببضعة آلافٍ سورية لشراء الكمية ذاتها من البذور المحلية.


مهربو البذور


يثير تدهور أصناف إرث المزارعين وما يرتبط به من فقدان التنوع الوراثي للمحاصيل قلقاً عالمياً، لأن المسألة ذات أهمية كبيرة في جميع أنحاء العالم.

مع القضاء على سلالات عدّة، فإننا لا نفقد فرصة رؤية وشم وتذوق المحاصيل التي تطورت على مرّ القرون فحسب، وإنما نفقد مجموعة من المواد الوراثية، التي يمكن استخدامها لتطوير أصناف مقاومة للأمراض المستقبلية والظروف المناخية الناشئة، أو التي لها خصائص طبية غير معروفة حتى الآن.

على سبيل المثال، يجري مربّو القمح الأميركيين دراسات على أعشاب “الدوسر الطوشي” السورية، وهو جنس نباتي يتبع الفصيلة النجيلية، نظراً لمقاومته لذبابة “هس”، وهي آفة تنتشر في الولايات المتحدة بسبب التغير المناخي.

لو انقرض هذا العشب، ولم تُحفظ بذوره في بنك “إيكاردا” لما أمكن دراسة “الدوسر الطوشي”، ولربما ضاعت الجينات المقاومة لذبابة “هس” إلى الأبد.

يشكل ذلك مصدر قلق خاص في سوريا، بحسب سيكاريللي، إذ منها ظهرت أهم المحاصيل للبشرية: القمح البري، الشعير، البقوليات، المكسرات، والفواكه، وهي أساس نظامنا الغذائي الحالي.

إدراكاً منهم بالمسؤولية، يأخذ بعض المزارعين على عاتقهم زمام المبادرة، حتى إن كانت أحياناً تعرضهم لخطر كبير على الصعيد الشخصي.

                                                  تتفقد أمل مزروعات بستانها في قرية معشوق بمحافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، 27/ 09/ 2022 (ليز موفة/ سوريا على طول)

منذ تأسيسها في عام 2016، تولت إحدى الجمعيات في بلد مجاور لسوريا، تعنى بالزراعة العضوية ومتخصصة في إكثار البذار إنشاء مجموعة كبيرة من سلالات البذور وإكثارها. وقد تبرّع بالبذور مزارعون من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك لبنان وسوريا وجنوب أوروبا وحتى كولومبيا.

على مدى سنوات عديدة، الجمعية تُهرِّب بعضاً من هذه البذور إلى سوريا عبر الحدود من خلال مجموعة من “الأصدقاء” الذين يمرّرونها بدورهم إلى مراكز إكثار البذور والمزارعين في حمص وحلب وإدلب والرقة، كما أوضح أحد مؤسسي الجمعية لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن اسمه لدواع أمنية، قائلاً: “حيثما وجدت الزراعة، تجد بذورنا، أو على الأقل يطيب لي الاعتقاد بذلك”.

تحظر الحكومة السورية استيراد البذور من دون الرجوع إليها، وهذا ما اضطر النشطاء إلى دفع أموال للمهربين من أجل تمريرها عبر الحدود خفيةً. 

حتى عند وصولها إلى سوريا، يعمل أولئك المساهمون في إكثارها وتوزيعها بالخفاء أيضاً. “لا أعرف بالضبط نوع المخاطر التي قد يواجهها الناس إذا ألقت الحكومة السورية القبض عليهم وبحوزتهم تلك البذور”، بحسب المصدر، مضيفاً “دائماً يخبرنا الناس أنّه من الأفضل إرسال كميات صغيرة لهم، لذلك كنا نهرّبها بالكيلو”.

في السنوات الأخيرة “صار إرسال البذور إلى سوريا صعباً جداً، ويترتب على تهريبه تكاليف كبيرة”، وفقاً للمصدر. ومع ذلك، تم تبادل ما يكفي من البذور على مدى السنوات الماضية لتكوين مخزون صغير وإعادة إنتاج العديد من الأصناف المحلية.

وأضاف المصدر من الجمعية: “نركز حالياً على إنتاج المعرفة: إرسال كتاب [في علم البيئة] لمزارع سوري عبر الواتساب أسهل بكثير من تمرير حفنة بذور عبر الحدود”.

تنبع أنشطة الجمعية من إيمان عميق بأنّ النظام الغذائي العالمي، الذي بٌني على أساليب زراعية مجحفة أثبتت أضرارها التدميرية على التربة والنظم البيئية، ليس بطورِ الجاهزية للتصدي لتغير المناخ، ولابدّ من تمكين المزارعين بالمعرفة اللازمة لإعداد بذورهم الخاصة وانتقاء محاصيلهم، وفقاً للمصدر، ومن دون ذلك “سنهلك جميعاً”، لأن “الاعتماد الكلي على البذور التجارية يعني فقدان الاستقلالية وفقدان السيادة الاقتصادية”، على حد قوله.
 

 حكاية تحذيرية


“عندما تدمر الحرب بلداً ما، تتهاوى أيضاً دورة أنظمته الغذائية. ربما يتمكن المزارعون من حفظ أرواحهم، ولكنهم يفقدون أرضهم ومخزون البذور التي يتم الإشراف عليها عبر الأجيال، لأنّهم يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإعادة الإعمار”، كما جاء في مقال للأستاذة في التاريخ، كورتني فوليلوف، نشر في عام 2015  عن بنك بذور إيكاردا، – الذي كان يعمل آنذاك.

كانت هذه الكلمات التحذيرية مليئة بالبصيرة، وهو حرفياً ما حصل مع مزارعي سوريا: بعد الاعتماد على الأصناف الحديثة والنظام المركزي لإمداد البذور عقب سنواتٍ من السياسات الزراعية المجحفة، فقدوا إمكانية الوصول إلى كليهما خلال الحرب.

“قبل ذلك، لم يكن هناك أحدٌ يستورد البذور من خارج البلاد، كانت بذور سوريا تكفي وتفي باحتياجاتنا”، كما قال محمود محمد، الذي أمضى السنوات الأولى من الحرب محاولاً إنقاذ هذه البذور.

لكن أوجه التقدم التقني والسياسات التي جعلت من سوريا قوةً زراعية، زرعت أيضا بذور تبعيتها التي نشهدها اليوم. الأصناف ذاتها التي كانت تحمل وعداً بتخليص البلاد من الجوع، جعلت المزارعين أكثر اعتماداً على الأسمدة وأنظمة الري التي لا طاقة لهم اليوم بتحمّل تكاليفها في زمن الحرب.

وفي سلة الخبز السورية، أي شمال شرق سوريا، لا تستطيع السلطات المحلية، غير المعترف بها دولياً، استرداد بذورها من رفوف قبوٍ بعيد في النرويج، وهي عاجزة عن وضع حد لتدهور الأصناف المحسنة. 

وفي هذه الأثناء، لا يمكن لقطاع الإغاثة تقديم أكثر من حلول إسعافية، تتمثل في تقديم الطحين المستورد، الذي يمكن أن يجنب البلاد المجاعة، لكنه لا يستطيع استعادة سلاسل القيمة الغذائية المعقدة لإدارة إنتاج الطحين الذي يتراجع باستمرار.

يعتبر حصاد سوريا درساً لأولئك الذين يضعون إيماناً أعمى بالحداثة، ويتوقعون حلاً سريعاً للقضايا الملحة مثل المجاعات والتغير المناخي. في كثيرٌ من الأحيان، تغفل هذه النظرة المفعمة بالتفاؤل الأعمى عن ضعف الأنظمة السياسية والاقتصادية، التي تعدّ الحلول السريعة جزءاً لا يتجزأ منها، ومن دونها تصبح بلا معنى.

تعلم أمل جيداً أن ثروتها الضئيلة، حقول خضراء، وأطفال لا ينامون على معدة خاوية، مرده للشبكات المحلية الصغيرة، التي نجحت في حماية مجتمعها في حين فشل النظام الأوسع.

صدر هذا التقرير بدعم مالي من المؤسسة الأوروبية للديمقراطية (EED)، وتتحمل “سوريا على طول” وحدها مسؤولية ما جاء فيه.


نشرت هذه المادة بموجب شراكة نشر مع Syria Direct

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق