ارتفاع الأسعار في مناطق النظام: حرب سلاحها لقمة العيش

مواد غذائية - مصدر الصورة من الإنترنت
مواد غذائية - مصدر الصورة من الإنترنت

خدمي | 23 أكتوبر 2022 | تقرير: علياء أحمد - تحرير: نور الدين الإسماعيل

نجح عبد المنعم 48 عاماً موظف حكومي، بالاعتياد على ارتفاع الأسعار المعضلة المستمرة في سوريا منذ عدة سنوات، إلا أنه يفشل بالاعتياد على حالة التفاوت في السعر بين محل سمانة وآخر يفصل بينهما أمتار قليلة، ما يشير بوضوح إلى ضعف كبير في الرقابة على الأسواق التي توصف بالمنفلتة "دون حسيب أو رقيب".


يطرح عبد المنعم مثالاً على حديثه، أنه أراد شراء 4 بيضات، لدى سؤاله في المحل الأول كان ثمن الواحدة 600 ليرة، وفي المحل الثاني على بعد أقل من 300 متر كان ثمنها 675 ليرة.

يقف الرجل الذي شارف على طي عقده الرابع، عاجزاً معدوم الحيلة، أمام الأسعار الحالية التي يصفها بـ"الكابوس" ولا حل لديه سوى الاستغناء عن المنظفات وتقنينها، ليتثنى له الحصول على بعض الطعام القليل لأفراد عائلة يتشارك مع زوجته في تأمين مستلزماتها.

اقرأ أيضاً: سوريا: ضربة قاضية يوجهها الفقر ضد "خرجية" الأطفال 


 


بداية الارتفاع الأخير


وبدأت رحلة ارتفاع الأسعار الجديدة في سوريا منذ بداية شهر أيلول الفائت، وشملت كل الأنواع تقريباً، علماً أنها لم تنتهِ بعد، فهي ماتزال مستمرة كما يقول سليمان (35 عاماً)، صاحب محل للسمانة بضواحي مدينة طرطوس.

وفقاً لسليمان فإن الارتفاع يتراوح بين 17 إلى 22 بالمئة، ويؤكد أنهم لا دخل لهم كمحال سمانة صغيرة برفع الأسعار، ويلقي باللوم على تجار الجملة والموزعين، الذين يخبرونه بدورهم أنهم لا علاقة لهم، والسبب هو ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء.

وشهد سعر صرف الليرة السورية تدهوراً ملحوظاً مؤخراً، حيث كان الدولار الواحد في شهر أيلول الماضي يساوي نحو 3700 ليرة، ووصل اليوم إلى نحو 5 آلاف ليرة، مع توقعات بوصوله إلى 7 آلاف ليرة في السوق السوداء، بينما رفع المصرف المركزي السوري الدولار من 2814 إلى 3015 ليرة في الشهر ذاته.


اختلاف السعر بين ساعة وأخرى


يقول سليمان إن الأسعار حالياً ليست ثابتة ويفضل غالبية التجار الاحتفاظ بالبضاعة لديهم، وبيع القليل منها كونهم يتوقعون ارتفاعها أكثر من ذلك.

ويورد مثالاً عن الأسعار ومدى اختلافها قائلاً، إن سعر كيلو الفاصولياء اليابسة التي يتمون منها الأهالي حالياً للشتاء، بدأ بـ9500 ليرة مطلع تشرين الأول الجاري، ثم ارتفع إلى 11500 ليرة فـ13 ألف ليصل اليوم إلى 14500 ليرة، ومثله عدس الشوربة، الذي بدأ بسعر 7 آلاف ليرة واليوم 10 آلاف.

والسكر كان يباع بنحو 4800 ليرة واليوم 5800، والأرز ارتفع من 3700 إلى 5000 ليرة تقريباً، وليتر زيت دوار الشمس من 14 إلى 18 ألف ومن الممكن أن يصل إلى 20 ألف، وعلبة السمنة 2 كغ وصل سعرها إلى 41 ألف ليرة، وكيلو القهوة من النوع الجيد كان 42 ألف وأصبح بـ64 ألف.

البائع الذي يمتلك محل سمانة صغيرة بمنطقة غير مكتظة بالسكان كثيراً، قال إن الارتفاع طال المنظفات أيضاً، فسعر مسحوق الغسيل زنة 2 كيلو ارتفع من 11 إلى 14500 ليرة، وعلبة سائل الجلي سعة 700 مل أصبح سعرها 4200 ليرة وكانت 3600 ليرة، لافتاً إلى أن غالبية الشركات خفضت من وزن العلبة، ليصبح 650 مل فقط.

أكثر ما يثير دهشة البائع هو ارتفاع سعر المعلبات، لاسيما التونة التي ارتفع سعر علبتها من 4000 إلى 7500 ليرة، والسردين من 3000 إلى 6000 ليرة.

قد يهمك: سوريا .. رفع أسعار البنزين نحو 127% على طريقة "هاد الحاضر"



ورغم حالة الركود التي يعانيها سليمان اليوم، الذي قد لا يبيع أي مادة خلال يومين أو ثلاثة، إلا أنه ليس حزيناً فطالما الأسعار بارتفاع مستمر فإنه يفضل التريث ريثما يستقر وضع السوق قليلاً.

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شهر أيلول الفائت، إن الأسعار ارتفعت بنحو 51 بالمئة في سوريا منذ العام الفائت، مضيفة أن حوالي 14 مليوناً و600 ألف شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم 6 ملايين و900 ألف نازح، ولفتت إلى أن هذا الرقم يعني ارتفاعاً بنسبة 30 بالمئة مقارنة بعام 2020.
 

الدجاج خارج الحسابات والبديل "ماجي"


الدجاج الذي وصل سعره إلى أرقام قياسية بسعر 13 ألف ليرة للكيلو غرام من الدجاج الحي، خرج من حسابات غالبية السوريين، الذين اتجهوا إلى مكعبات ماجي لاستخدامها في كل الأطباق كبديل لطعم الدجاج، مثل حياة (35 عاماً)، والتي تبحث عن مكعبات ماجي دون أي أمل، حيث فقدت تماماً من أسواق دمشق، وإن تواجدت فإن سعرها بات أكبر بأربع أضعاف.

تضيف حياة: "كان ثمن مكعب ماجي 400 ليرة أول أيلول الماضي، ارتفع إلى 800 ثم إلى 1000 و1200 ليرة، واليوم أبحث عنه ولا أجده وفي حال تواجد فإن سعره 1500 ليرة".

حياة التي كانت تنكّه طعامها أحياناً بشراء قطع دجاج غير مرغوبة ورخيصة الثمن مثل الرقبة أو الظهر، تخلت عن هذه العادة بعد أن بات سعر كيلو الرقبة 7000 ليرة والظهر 8000 ليرة.

لم تنجُ مشتقات الألبان والأجبان من ارتفاع الأسعار حيث ارتفع سعر كيلو الحليب من 1500 شهر أيلول الماضي إلى 2800 ليرة اليوم في دمشق، وقد يقل قليلاً في باقي المحافظات لكن ليس أقل من 2400 ليرة، وكيلو الجبنة وصل إلى 30 ألف ليرة بعد أن كان 20 ألف.

تعليقاً على الأسعار قال عضو غرفة تجارة دمشق فايز قسومة بتصريحات لإذاعة "أرابيسك" المحلية، إن حكومة النظام يجب أن ترفع الرواتب، التي وإن أصبحت 500 ألف ليرة شهرياً فإنها "لن تكفي المواطن أكثر من خبزة وبصلة"، ليعود ويقول في تصريحات نقلتها "الوطن" المحلية، الخميس، إن السوريين يحتاجون شهرياً 500 ألف ليرة كي لا يموتوا من الجوع.
 

منع الدين


حتى الأمس القريب كان بعض الباعة مازالوا يتعاملون بالدين، إلا أن غالبيتهم أوقف هذا النوع من البيع نتيجة تذبذب الأسعار، ما أدى إلى تضرر شريحة واسعة من السوريين، بينهم سناء (42 عاماً) معلمة مدرسة في اللاذقية.

تقول سناء إنها وبعد أن اختارت ما تريده من مواد غذائية، طلبت إلى جارها البائع أن يسجلها في دفتر الديون لآخر الشهر، كما جرت العادة، إلا أنه رفض الفكرة تماماً وأخبرها أن "الأسعار بارتفاع مستمر"، ولا يستطيع تحمل مثل هذه الخسارة، فما كان منها إلا أن أعادت المواد الغذائية، وخرجت من المحل مكسورة.
 

ما هو سبب ارتفاع الأسعار؟


تدهور قيمة الليرة السورية هو السبب المباشر لرفع الأسعار، إلا أن سبب التدهور الجديد يأتي من ابتعاد حكومة النظام عن دعم الزراعة والصناعة وتركيزها على المشاريع السياحية التي لا تحقق أي عوائد تذكر، خصوصاً أن السياحة الخارجية غائبة تماماً عن سوريا، والسياحة فيها تقتصر على رؤوس الأموال وأمراء الحرب والمسؤولين السوريين وعوائلهم فقط.

الأمر الآخر الذي يسبب ارتفاع الأسعار هو حالة التضخم العالمية، وتراجع موارد الطاقة بسبب الحرب الأوكرانية، بالتزامن مع غياب أي خطوات حكومية اقتصادية وانشغالها بالجباية وفرض المزيد من الضرائب على المواطنين بكل شرائحهم.
أما التفاوت في الأسعار بين محل وآخر فيعود إلى ضعف الرقابة التموينية، ولجوء مراقبي التموين إلى الحصول على الرشاوى والمنافع المادية، لقاء سكوتهم عن المخالفات وعدم تنظيم ضبوط بها.
 

لا خطوات حكومية


تعتبر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لدى حكومة النظام المسؤولة عن ضبط الأسواق والأسعار، إلا أنها لم تقم بأي خطوات واضحة لضبط الارتفاع الجديد في الأسعار، على العكس من ذلك، أصدرت نشرة سعرية جديدة رفعت بموجبها سعر نحو 16 مادة مؤخراً.

ورغم رفعها الأسعار إلا أن التجار لا يلتزمون بها، وعلى سبيل المثال فقد رفعت سعر الأرز إلى 4400 ليرة، لكنه يباع بـ5000، والسكر في نشرة التموين 4600 ويباع بـ5800.

يشير آخر تقرير صادر عن الأمم المتحدة، إلى أن نحو 12 مليون سوري يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ويضيف التقرير أن هناك 1.9 مليون شخص معرضون لخطر الجوع، فإن كان الحال كذلك قبل ارتفاع الأسعار الجديد فكيف سيكون الوضع بعده، وكم من السوريين سيضافون إلى قائمة انعدام الأمن الغذائي والتعرض لخطر الجوع.

وفشلت حكومة النظام الحالية بعد عامين على استلامها من إحداث أي تغيير للأفضل في حياة السوريين الذين يعيشون في مناطق سيطرتها، على العكس من ذلك تدهورت الأوضاع بطريقة مأساوية وازدادت الفوارق الطبقية بين فئة لا تملك أن تأكل وفئة تمتلك كل شيء.

يذكر أن معدل الرواتب في القطاع العام تتراوح بين 20 إلى 45 دولاراً أمريكياً، ولا تزيد عن 100 دولار في القطاع الخاص. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق