موسم الزيتون: الفلاح خاسر والمستهلك لا يملك ثمن المؤونة

قطاف الزيتون - روزنة
قطاف الزيتون - روزنة

اقتصادي | 10 أكتوبر 2022 | علياء أحمد

لا ينتظر العم أحمد (76 عاماً) من ريف طرطوس الكثير من موسم الزيتون الحالي، فالأحوال المادية السيئة لم تساعده للعناية بأرضه كما الأيام الخوالي. ويقول إن كرم الزيتون الذي يملكه بمساحة دونمين اثنين لن يعطيه في أحسن الأحوال أكثر من 10 بيدونات زيت (البيدون 16 كيلو زيت)، بينما كان كرمه ينتج سابقاً حين كان يتمكن من العناية به أكثر من 18 بيدوناً.


اقرأ أيضاً: مزارعو قرية الحمبوشية بين سرقة المحصول وقلة الإنتاج



العم أحمد لا يخفي أنه قلّم أشجار الزيتون العام الفائت وهذا يؤدي لانخفاض الإنتاجية قليلاً، لكن السبب الأبرز في انخفاضها، كما يؤكد هو عدم القدرة على تأمين السماد اللازم ونثره على الشجيرات في موعده.

كان كرم العم أحمد يحتاج إلى ما قيمته من السماد الكيميائي والسماد العضوي (روث الحيوانات) ما يصل إلى نحو 350 ألف ليرة، وهو مبلغ من المستحيل توافره، خصوصاً أن إنتاجية كرمه تذهب مؤونة له ولعائلات أولاده الثلاثة وليست للتجارة، كما أن تقليم الأشجار كلفه نحو 125 ألف ليرة، والفلاحة تكلف 35 ألف ليرة لكل دونم.

تتقاسم العائلة مهام اليد العاملة لقطاف الزيتون، فالعم أحمد يوفر بهذه الحالة أعباء أجور اليد العاملة. حيث يجتمعون لعدة أيام حتى ينتهي قطاف المحصول الذي بدأ حالياً بعملية "اللقاط"، وتعني جمع الحبات المتساقطة على الأرض تحت الشجرة.


تكاليف الإنتاج كبيرة


لا يختلف كثيراً حال ناهدة (47 عاماً)، عازبة من ريف طرطوس، بفارق أنها لا تمتلك عائلة تساعدها في قطاف المحصول من كرمها الذي تبلغ مساحته نحو 3 دونمات، وكان ورثتها من والدها.

ناهدة التي لا تمتلك أي مصدر دخل آخر باستثناء هذا المحصول، تفاجأت من أجرة العامل هذا العام والتي ارتفعت لنحو الضعف عن العام الفائت، حيث طلب العامل 35 ألف ليرة عن كل يوم عمل، أو تنكة زيتون وزنها نحو 14 كغ (ثمن الكيلو نحو 3000 ليرة وسطياً) والمتعارف عليه أن يكون البدء عند الساعة الـ6 صباحاً وحتى الـ4 عصراً.

تحتاج ناهدة لـ6 عمال على الأقل لتضمن الانتهاء باكراً، حيث يُخشى على أشجار الزيتون من السرقة، لذا فإنه من المحبذ الانتهاء في أسرع وقت ممكن.

ما يزيد أعباء الكلفة على ناهدة بُعد كرم الزيتون عن منزلها، فهو يبعد نحو 7 كم تقريباً، وأجرة نقله بالسيارة نحو 60 ألف ليرة، ستضطر لدفعها كل يوم حتى انتهاء عملية القطاف والتي قد تمتد لنحو 12 يوماً تقريباً وربما تزيد عليها.

قد يهمك: الزيتون الأخضر والأسود .. اختلاف بالسعرات الحرارية والدهون



لا تنتهِ كلفة إنتاج الزيت هنا، لتكون عملية العصر آخر مراحلها، وهنا أمام الفلاح خياران إما دفع نقود بقيمة تتراوح بين 13 إلى 15 ألف ليرة عن كل بيدون، أو خيار الدفع زيتاً حيث تأخذ المعصرة كيلو زيت عن كل بيدون.

ورغم أن خيار الدفع بالنقود أوفر بكثير نظراً لأن ثمن كيلو الزيت يتجاوز الـ25 ألف ليرة، إلا أن أصحاب المعاصر يدركون بأن غالبية الفلاحين لا يملكون دفع المبلغ نقداً ويلجؤون لدفعه زيتاً في استغلال واضح لا يحاسبهم عليه أحد.

وكما في باقي المحاصيل المتنوعة فإن الفلاحين هم المتضررون الذين لا يحصلون حتى على ثمن جهدهم وتعبهم، فالكلفة كبيرة جداً عليهم، خصوصاً أن غالبية الملكيات في الساحل السوري صغيرة، بمعنى أن الفلاح لا يحصل منها إلا على مؤونة عائلته وعائلات أولاده، وهي ليست للتجارة أو الربح، وهذا ما يجعله عاجزاً عن تأمين مستلزمات الإنتاج التي تجعل المحصول وفيراً نوعاً ما.

يجمِع غالبية الفلاحين الذين التقيناهم أن المحصول جيد هذا العام، والسبب بسيط جداً، فمن المتعارف عليه أن موسم الزيتون يكون جيداً خلال عام، وفي العام الذي يليه يصبح قليلاً وهكذا تتكرر الحكاية في كل عام دون وجود أي استثناءات.


الأسعار حلقت بعد السماح بالاستيراد


لم تكد الحكومة تعلن فتح باب التصدير لزيت الزيتون حتى ارتفعت الأسعار بلمح البصر، وبحسب مجدولين (42 عاماً) موظفة حكومية تقيم في مدينة طرطوس، فإن سعر كيلو الزيتون ارتفع إلى 4000 ليرة بعد أن كان 3000 ليرة، علماً أن هذا النوع هو أقل الأسعار الموجودة حالياً، والتي يصل أعلاها لأكثر من 14 ألف ليرة حسب نوع الزيتون.

اعتادت مجدولين على إعداد نحو 25 كيلوغراماً زيتوناً، سنوياً لعائلتها، لكبسه بالمياه المالحة وتناوله على الفطور والوجبات الأخرى حين لا يتوفر فيها ثمن الطعام، لكنها لا تملك اليوم 100 ألف ليرة لشراء كامل مؤونتها لذا اضطرت إلى تخفيض الكمية حتى 10 كيلوغرام فقط.

سعر البيدون الواحد من زيت الزيتون ارتفع من 250 ألف ليرة إلى 350 ألف ليرة، وهذا بخلاف العادة حيث كان سعر الزيت ينخفض مع بداية موسم قطاف الزيتون لرغبة غالبية المستهلكين بشراء الزيت الجديد، فيلجأ أصحاب الزيت القديم لبيعه بسعر أقل استعداداً لتخزين إنتاج الموسم الجديد أو بيعه.

يدرك غالبية السوريين اليوم أن الحصول على المؤونة المعتادة من زيت الزيتون لن يكون خياراً سهلاً، وحتى لو بقي عند حدود 250 ألف ليرة للبيدون الواحد، فهو يفوق قدرة سواد الأسر السورية على شرائه، خصوصاً أن المؤونة تتضمن عادة ما لا يقل عن 4 بيدونات للعوائل التي تتألف من 4 أشخاص على سبيل المثال.


من يستفيد من قرار التصدير؟


المستفيد الحقيقي والذي سيأخذ الحصة الأكبر هو الوسيط أو المصدر، الذي سيشتري الزيت من الفلاحين بسعر السوق، ومن ثم يعيد تعبئته وبيعه للخارج، أما الفلاح فلن توازي أرباحه حتى ربع أرباح الوسيط أو المصدر، لأنه سيبيع الأخير بذات السعر الذي سيبيعه للسوق المحلي، وقد تكون الاستفادة فقط في عدم كساد إنتاجه وإيجاد سوق للتصريف.

وكان وزير الاقتصاد والتجارة الداخلية في حكومة النظام السوري، محمد سامر الخليل قد قال لصحيفة "تشرين": إنهم سمحوا بتصدير 45 ألف طن فقط من زيت الزيتون هذا العام، وأضاف أن تلك الكمية تعتبر فائضاً من أصل 125 طناً زيت زيتون تتوقع وزارة الزراعة إنتاجها هذا العام.

لكن كثيرين يشككون بأن تتمكن الحكومة من ضبط المصدرين وإلزامهم بهذه الكمية، خصوصاً أن أساليب الغش والمواربة كثيرة، علماً أنها تتم بتغطية من بعض المتنفذين غالباً.

ارتفاع في أجور اليد العاملة والأسمدة والمواصلات، ومساحة ربح كبيرة للتجار والمتنفذين، وقرارات حكومية لا وجود لها على أرض الواقع، إضافة إلى محصول لا يكفي مؤونة معظم الفلاحين، كل ذلك يجعل الحصول على مؤونة زيت الزيتون بالنسبة لشريحة واسعة من أصحاب الدخل المحدود أمراً صعباً للغاية.  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق