صيدنايا: روايات عن "غرف الملح"..أسلوب تعذيب مع الجثث

سجون النظام السوري - فيسبوك
سجون النظام السوري - فيسبوك

سياسي | 16 سبتمبر 2022 | إيمان حمراوي

في "معسكر الموت" كما يسمى سجن صيدنايا قرب العاصمة دمشق، لا تنتهي أساليب تعذيب المعتقلين، آخرها "غرف الملح" التي كشف عنها معتقلون سابقون، لوكالة "فرانس برس".


الملح كان أحد عمليات التحنيط التي اشتهر بها الفراعنة، أمّا النظام السوري استخدمه لـ"تأخير تحّلل" جثث المعتقلين الموتى تحت التعذيب، من أجل تجميعها قبيل نقلها خارج السجن، وكأسلوب تعذيب للمعتقلين الأحياء.

ووفق رابطة "معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا" إن 30 ألف شخص دخلوا سجن صيدنايا منذ عام 2011، أفرج فقط عن 6 آلاف منهم، ويعتبر معظم الباقين في حكم المفقودين، ولا سيما أنه نادراً ما يبلّغ الأهالي بوفاة أبنائهم، وإن تبلغوا لا يتسلمون الجثث.

جثث مغمورة بالملح

اقتاد حارس السجن في صيدنايا، عبدو (30 عاماً)  قبل نقله إلى المحكمة، في شتاء عام 2017 إلى غرفة لم يرها من قبل، تفاجأ بغرق قدميه الحافيتين في كميات من الملح الصخري، الذي يغطي الغرفة.

غرفة الملح تلك مستطيلة، عرضها 6 أمتار وطولها 8، أحد جدرانها من الحديد، يتوسطه باب حديدي، تقع في الطابق الأول من المبنى المعروف بالأحمر، وهو عبارة عن قسم مركزي تتفرع منه ثلاثة أجنحة، يصف عبدو الغرفة.

عامان لم يذق خلالهما عبدو طعم الملح في الوجبات، أخذ بقبضة يده كمية منه واستمتع للحظات بطعمه، عكّره بعد لحظات تعثّره بجثة نحيلة ملقاة على الملح وإلى جانبها جثتان: "دستُ على شيء بارد، كانت رجل أحدهم" يقول.

تجمّد عبدو من الخوف وبدأ يرتجف بعد رؤيته للجثث الثلاثة، هي التجربة "الأكثر رعباً" كما يروي، ظنّ أنّ هذا مصيره وأنّ الوقت حان لإعدامه.

اقرأ أيضاً: حفار القبور .. دفن أحياء ودهس متعاطفين والأسوأ لم يأت بعد



ساعة ونصف بقي في الغرفة بلا حراك: "كان هذا أصعب ما رأيته في صيدنايا جراء الشعور الذي عشته ظناً بأن عمري انتهى هنا".

ووفق تقرير لرابطة "معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا" لم ينشر بعد عن "غرف الملح"، فإن الغرف بمثابة قاعات لحفظ الجثث وتأخر تحللها،  بدأ استخدامها خلال سنوات النزاع مع ارتفاع أعداد الموتى داخل السجن الذي يخلو من برادات لحفظ جثث المعتقلين الذي يسقطون بشكل شبه يومي جراء التعذيب أو ظروف الاعتقال السيئة.

لم ينتهِ مشهد الرعب إلى هنا، فعند خروجه من الغرفة رأى قرب الباب أكياس جثث سوداء فارغة مكدّسة، هي ذاتها التي نقل فيها ذات مرة بأمر من الحراس جثث معتقلين.

ويختم عبدو الذي أفرج عنه عام 2020 "في صيدنايا قلبي مات لم يعد شيء يؤثر بي".

في صيدنايا، غرفتا ملح، توضع فيهما الجثث حتى يحين وقت نقلها، فيما يغيب الملح تماماً عن كميات الطعام المقدّمة للمعتقلين، الأرجح "لإضعافهم جسدياً"،  بحسب ما وثّقت رابطة "معتقلي سجن صيدنايا" ووكالة "فرانس برس" في تحقيق لها، نشرته أمس الخميس.

كان المعتقلون يشربون مياه يضعون فيها نواة الزيتون المالحة بعض الشيء للتعويض عن قلة الملح، بحسب ما روى معتقلون سابقون.

30 سنتيمتراً من الملح

قبيل إطلاق سراحه في نيسان عام 2014، فاجأ السجان، معتصم عبد الساتر (42 عاماً) بإدخاله إلى غرفة لم يرها سابقاً، بعرض 4 أمتار وطول 5 أمتار، في الطابق الأول من المبنى الأحمر تختلف عن الغرفة السابقة، لا يوجد فيها حمام.

غرقت قدميه في مادة خشنة، وإذ به ملح بعمق 20 إلى 30 سنتمتراً، تذكر معتصم شوالات الملح التي اعتاد رؤيتها إلى جانب الطريق خلال أيام الشتاء لتذويب الثلج المتراكم.

فور دخوله وقعت عيناه على نحو 5 جثث ملقاة في الغرفة: "شعور لا يوصف، أصعب من لحظة الاعتقال،  قلت لنفسي سيعدمونني الآن ويضعونني بينهم، أنا أساساً أشبههم"، إذ كان يزن عند خروجه 42 كيلو غراماً، بعدما كان بوزن 98 كيلو غراماً حين اعتقاله عام 2011.

وبقي في "غرفة الملح" لنحو 4 ساعات: "كان الملح يذوب من تحتي من شدة تصبّب العرق مني"، ومن شدة الخوف تبّول في الغرفة ومن ثم سارع لتغطيته بالملح لئلا يراه الحارس.

ويضيف: "كانت الجثث تشبه المومياء، وكأنها محنطة، عبارة عن هيكل عظمي مكسو باللحم يمكن أن يتفكّك في أي لحظة".

قد يهمك: ناجيات يحملن رسائل معتقلات سوريات: لا تنسونا



عبد ومعتصم أشارا إلى عدم انبعاث أي رائحة كريهة من الغرفتين، كما لم يتمكنا من معرفة سبب وضعهما فيهما لبعض الوقت.

وتعتقد رابطة "معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا" أنّ أول غرفة ملح وجدت في النصف الثاني من العام 2013، مع اشتداد التعذيب وتردي الأوضاع في السجن، بناء على شهادات معتقلين وموظفين سابقين في السجن.

وبحسب دياب سرية، من مكتب رابطة "مفقودي ومعتقلي سجن صيدنايا" في غازي عنتاب، كان يتم الإبقاء على الجثث يومين أو أكثر داخل المهاجع إلى جانب المعتقلين كأحد أساليب التعذيب، قبل نقلها إلى غرف الملح لـ"تأخير تحلّلها". ثم تُترك الجثث يومين داخل "غرف الملح" في انتظار تجميعها قبل نقلها إلى مستشفى عسكري لتوثيق الوفاة ثم إلى مقابر جماعية.

وكان"حفار القبور" اسم مستعار لشاهد روى  أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، ما عاشه خلال عمله كواحد من العمال الذين شاركوا في دفن المعتقلين السوريين ما بين 2011 و 2018، قال إنّ "3 شاحنات محملة بما يتراوح بين 300 و 600 جثة لضحايا التعذيب والقصف كانت تصل مرتين في الأسبوع (إلى مقابر جماعية)، بالإضافة لـ 3 أو 4 شاحنات صغيرة تحمل 30 إلى 40 جثة لمدنيين تم إعدامهم في سجن صيدنايا".

يقول الأستاذ المساعد في علم  التشريح بجامعة "بوينت لوما" في كاليفورنيا، جوي بلطا، إن "الملح لديه القدرة على تجفيف أي نسيج حي عبر امتصاص المياه، ما يقلّل من تكاثر الميكروبات".

وبيّن أنه يمكن حفظ الجثة في غرفة باردة لأسابيع دون أن تظهر علامات التحلل، فيما "يتيح الملح فترات حفظ أطول".

ويعتبر سجن صيدنايا من أكبر السجون في سوريا وأسوأها سمعة، وخلال عقود شكل مركزاً لاعتقال السجناء السياسيين، وبعد عام 2011 تحوّل إلى معتقل للناشطين المعارضين، وشاهداً على عمليات تعذيب وإعدامات جماعية.

 منظمة "العفو الدولية" وصفت في تقرير سابق لها السجن بـ"المسلخ البشري"، ووثقت تنفيذ حكومة النظام في الفترة الممتدة بين 2011 و2015، إعدامات جماعية سرية شنقاً بحق 13 ألف معتقل، غالبيتهم من المدنيين المعارضين.

وتقدر "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" أعداد المعتقلين لدى النظام السوري بأكثر من 131 ألف معتقل ومختف قسرياً منذ آذار عام 2011. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق