الأجهزة الأمنية تطارد السوريين حتى في أحلامهم 

مطار دمشق الدولي - english.alaraby.co
مطار دمشق الدولي - english.alaraby.co

اجتماعي | 26 يوليو 2022 | إيمان حمراوي

سنوات من الإقامة في بلدان اللجوء لم تكن كفيلة بتحييد ذاكرة السوريين عن المخاوف من الحالة الأمنية ودفعهم لنسيان الخوف الذي زرعته الحرب خلال العقد الأخير في ذاكرتهم.


يمكن القول أن أكثر الأحلام التي يتشاركها السوريون تتوضح بمشهد  ذهابهم بزيارة إلى سوريا وأنهم  عالقون لا يستطيعون الخروج منها، ويستيقظون هلعين من أن يكون المشهد حقيقياً، إلى أن يدركوا أنه مجرد حلم.

ريبر (29) عاماَ، شاب سوري مقيم في الدنمارك، يقول لـ"روزنة": "دائماً ما أشاهد نفسي بأني زرت سوريا ولا أستطيع الخروج منها، يرافقني ذلك الحلم المُرهق منذ 7 سنوات، دون أن أعرف كيف وصلت إلى البلد، وغالباً ما أتعرّض إلى ملاحقات من الجيش والأمن".

يتخوّف ريبر من العودة إلى سوريا بعدما خرج منها عام 2014، بسبب معارضته للنظام وعدم التحاقه بالخدمة العسكرية: "فكرة العودة مُلغاة بشكل نهائي، أنا مُعارض للظلم بكافة أشكاله" يقول.

في الدنمارك التي يبلغ عدد اللاجئين السوريين فيها نحو 20 ألف، وفق الأمم المتحدة، "كل فترة تصدر قرارات بإلغاء إقامات بعض السوريين…ربما تلك القرارات أحد أسباب رؤية كوابيس العودة"، يضيف ريبر.

وكان وزير الهجرة الدنماركي، ماتياس تسفاي، أعلن عن سحب إقامة 94 لاجئاً سورياً، وقال شهر شباط عام 2021، حول وضع سوريا "لقد أوضحنا للاجئين السوريين أن تصاريح إقامتهم مؤقتة، ويمكن سحبها إذا لم تعد هناك حاجة إلى الحماية… عندما تتحسن الظروف في الموطن الأصلي للاجئ يجب عليه العودة إلى وطنه وتأسيس حياته هناك".

اقرأ أيضاً: الدنمارك: سوريون حصلوا على الإقامات بعد رفض تجديدها لأشهر



تشارك سهر ( 32) عاماً، ريبر ذات الحلم، فمنذ خروجها من سوريا عام 2013 وهي ترى نفسها في أحياء مدينتها حلب، بشكل متكرّر ربما شهري، تستيقظ فزعة، مستذكرة مشاهد القصف والدمار.

تقول سهر المقيمة في تركيا لـ"روزنة": لا أتذكر إلّا المشاهد الأولى للقصف الذي استهدف مناطقنا، المروحيات وهي تحلّق، وصوت الرشاشات غير المنقطع، وصور الدم والقتل" هذه سوريا التي أتذكرها وأخاف العودة إليها بعدما تدمّرت أكثر وغاب عنها الأمان، وانتشر القتل والسرقة والاغتصاب بشكل لم نكن نتصوره يوماً.

وتكثر أحلام العودة إلى سوريا لدى سهر كلما زاد الحديث عن عودة السوريين، مثلما يحدث الآن حيث تتحدّث السلطات التركية عن عودة مليون سوري بشكل طوعي إلى البلاد، كما تقول.

الحلم في علم النفس

الكثير من السوريين تراودهم ذات الأحلام، هم يعرفون ضمنياً ماذا حدث في سوريا، وبالتالي أسبابها، كما يقول ريبر، "لا أستغرب تلك الأحلام ولم يخطر ببالي أن أسأل اختصاصياً نفسياً للخلاص منها رغم انزعاجي منها".
 
الاختصاصي النفسي محمد السيد، يقول لروزنة: إن الأحلام عادة هي الطريق لسبر أغوار البنية النفسية وخاصة الصراعات النفسية غير المعبّر عنها باللغة.

والحلم في المنظور النفسي هو أداة للتعبير عن الأشياء التي إمّا ليست على مساحة الوعي وبالتالي يُعبّر عنها لفظياً بالكلمات، أو شيء بمساحة الوعي لكن لضغوط اجتماعية وعوامل معينة لا يملك الشخص الجرأة لصياغتها بالتراكيب والجمل فيأتي الحلم لكي يعبّر عن هذا العمق أو البعد المرتبط بالصراع.

ويشير السيد إلى مصطلح "سيريا فوبيا" (SyriaPhobia)، أي رهاب سوريا، الموجود في قاموس "Urban" العالمي، ويُعرّف بأنه "الخوف من قضاء بقية الحياة في سوريا".

ووفق القاموس الذي يركّز على المصطلحات المستخدمة بكثرة بين الشباب، فإن جيل الألفية السوري طوّر نوعاً من القلق الجماعي بات يُعرف اليوم بـ"رهاب سوريا"، بسبب السنوات الثمانية الأخيرة من "الانحلال والفساد والدمار خلال الحرب السورية".

وجاء المصطلح لأن "الشباب السوريون يخافون من قضاء بقية حياتهم في بلد يغرق بمشاكله"، بحسب القاموس.

قد يهمك: اضطرابات نفسية أصابت سوريين خلال الحرب.. تعرّف إليها (فيديو)



دلالات الأحلام المتكررة

الحلم المتكرّر المشترك، يدل على مخاوف حقيقية، وفق السيد، وخاصة مع  تصاعد اليمين بدول العالم ودول الجوار التي تصرّح بأنّها لن تستطيع تحمّل عبء اللاجئين بعد أكثر من 10 سنوات على بدء الحرب.

ويضيف: هذه المتغيّرات السياسية أو الاجتماعية ضمن المنطقة تنعكس على شكل مخاوف عميقة ودفينة، وتخلق تساؤلات لدى اللاجئ السوري: "هل يوجد احتمال لإعادتي؟ بحال تمت إعادتي ماذا سيحدث؟".

يعتبر الحلم أيضاً مؤشّراً على غياب الاستقرار وعدم الشعور بالأمان في المكان الذي يقيم فيه السوري، كما أنه مؤشر يدل على تحوّل البلد الأصلي إلى كابوس بالنسبة إلى أبنائه بدل أن يكون مكاناً آمناً لهم، يقول السيّد، لذلك أصبح السفر والعيش بأي مكان في العالم خياراً يفضله اللاجئ على العودة إلى بلده، ضمن سلوك حماية نفسه.

تداعيات تلك الدلالات والمؤشرات خطيرة ومقلقة، وقد تقود إلى مشكلات متعلّقة بالقدرة على التكيّف أو الانتماء لأي مكان أو وطن آخر، وعدم القدرة على الشعور بالحماية حتى لو كان الشخص حاملاً لأي جواز سفر آخر لاحقاً غير الجواز السوري، بحسب الاختصاصي النفسي.

صلاح (29) عاماً، مقيم في ألمانيا منذ 7 سنوات، دائماً ما يحلم بأنه ذهب لزيارة سوريا، وعندما يحاول العودة من المطار لا يستطيع، وأحياناً يتم اعتقاله.

ويضيف: "عندما يعتقلوني في الحلم، أفكر بأبي المختفي منذ عام 2015، والذي لا نعلم عنه شيئاً، وأتمنى رؤيته".

لم تتوقف قوات النظام السوري عن ملاحقة واستهداف المدنيين بمناطق سيطرتها على خلفية معارضتهم السياسية وآرائهم، معظم حوادث الاعتقال تتم دون مذكرة قضائية لدى مرور الضحية من نقطة تفتيش أو أثناء عملية مداهمة، وغالباً ما تكون قوات الأمن التابعة لأجهزة المخابرات لدى النظام هي المسؤولة عن عمليات الاعتقال بعيداً عن السلطة القضائية، وفق تقرير لـ "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، التي وثقّت اعتقال 57 شخصاً بشكل تعسّفي شهر أيار الماضي.

واضطر أكثر من 13 مليون سوري للفرار إما خارج البلاد أو النزوح داخل حدودها منذ 2011، واستضافت الدول القريبة والمجاورة أكثر من 5.6 مليون لاجئ، وهي أكبر مجموعة من اللاجئين حول العالم، بحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في آذار العام الجاري.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق