"الصمت أو الاعتقال".. قانون "كمّ الأفواه" نافذ في سوريا

قوانين الجرائم الإلكترونية وتقييد الحريات - مواقع التواصل
قوانين الجرائم الإلكترونية وتقييد الحريات - مواقع التواصل

سياسي | 18 مايو 2022 | روزنة

كم الأفواه ولجم آراء المنتقدين وراء قانون الجرائم الإلكترونية، هذا ما أكده سوريون لروزنة في حديثهم عن أحد أهم أسباب تدهور المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة.


القانون المذكور أقر خلال شهر آذار المنصرم في البرلمان، بعد فترة قصيرة من اعتقال الصحفي السوري كنان وقاف الذي أطلق سراحه مؤخراً وفق منشور منسوب لوالدته على فيسبوك.

سوريون في مواقع التواصل الاجتماعي بدأوا يستخدمون الميزان قبل الإدلاء بأي رأي شخصي لهم، وفي أي موضوع مهما كان بسيطاً، بهدف ملائمة كلماتهم مع هذا القانون.

يذهب أصحاب الرأي للقول إن الضجة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي، حول العديد من الأمور المعيشية مؤخراً، كانت سبباً رئيسياً في إصدار النظام السوري لذلك القانون، رغم وجود العديد من القوانين الأخرى التي سبق وأعلن عنها قبل سنوات دون أن تصدر حتى اللحظة، مثل قانون العاملين الأساسي في الدولة.

اقرأ أيضاً: "عبارات فضفاضة" و"تهم جاهزة".. أبرز بنود قانون الجرائم المعلوماتية

يزن البالغ من العمر 22 عاماً والمقيم في دمشق، اتخذ قراراً بالتوقف نهائياً عن النقد، وحول صفحته الشخصية في فيسبوك إلى صفحة "غناء وشعر" بما يرضي المسؤولين ويبعد عنه شبه خطر السجن، وفق ما يقوله الطالب الجامعي لروزنة.

"طيلة عامين كنت ناشطاً عبر فيسبوك، أتناول قضايا الجامعة وقصص الفساد فيها وأنشرها عبر صفحتي، لكني وبعد التعمق بقراءة بنود القانون الجديد، رأيت أن منشوراتي توهن عزيمة الأمة، فقررت التوقف خصوصاً بعد توسلات والدي" يضيف يزن.

هيبة الدولة

حافظ القانون الجديد على جريمة "النيل من هيبة الدولة"، حيث تصل عقوبة مرتكب هذا الفعل، إلى السجن حتى 5 سنوات، وغرامة مالية تبلغ 5 ملايين ليرة، وهي التهمة التي شكلت مسار جدل كبير، لكونها تهمة فضفاضة، ومن الممكن أن تنسحب على الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي، بخاصة أنه لا تحديد واضح لماهيتها.

ترى سمية 52 عاماً محامية من محافظة حمص، أن تلك التهمة مجرد أداة بيد المسؤول، سيستخدمها ضد كل من يثيرون الشغب عبر مواقع التواصل، وينتقدون العمل الحكومي بطريقة مؤثرة.

وتضيف السيدة السورية لروزنة: "باعتقادي سيستخدمون تلك التهمة، مع من يريدون ومتى يشاؤون، وأخطر ما فيها أنها انتقامية الهدف منها زرع المزيد من الخوف والتوقف عن الانتقاد، لمنح الفاسدين فرصتهم بالاستمرار في فسادهم وسرقاتهم".

حماية للمسؤول الفاسد

فئة لا بأس بها من السوريين، ترى في القانون الجديد، حصانة للمسؤولين الفاسدين وأثرياء الحرب، بخاصة أن قانون الجرائم الإلكترونية، حدد عقوبة الحبس حتى شهرين، وغرامة مالية 200 ألف ليرة، لكل من اقترف جرم القدح والذم بأحد الناس، وتشديدها لتصبح 6 أشهر سجن وغرامة نصف مليون ليرة، في حال كان القدح موجهاً لأحد الموظفين (أي مسؤول).

تتساءل نهى 34 عاماً موظفة حكومية من حمص، عن كيفية كشف موظف فاسد، في ظل هذا التشديد، وتطرح مثالاً على ذلك أنها ترى بأم عينها الفساد الذي يمارسه مديرها، والذي تحرش بها عدة مرات، إلا أنها لا تستطيع إثبات مثل هذا الأمر على الإطلاق بأوراق وثبوتيات رسمية، لكنها مثلاً تستطيع الكتابة عن الأمر واتهامه بأنه متحرش، في حال كان المسؤولون ينظرون بجدية لتعليقات مواقع التواصل، ويقومون بتحقيقات مكثفة بعدها حول الأمر لإثبات ما يكتب أو نفيه.

الكثير من السوريين يتفقون على فكرة، عدم جدية الحكومة في مكافحة الفساد، وعلى العكس من الواضح أنها تمنح الفساد المزيد من الحرية مقابل كم أفواه المنتقدين، وعوضاً عن التحقيق بحالات الفساد المنشورة، فإن المسؤولين لجأوا إلى لجم الناس وتخويفهم بالقانون الجديد كي لا يتحدثوا مرة أخرى.

لماذا الإسراع بالقانون الجديد؟

أقرّ قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، بعد أقل من شهر على ما كشفه الصحفي والناشط كنان وقاف، عن تعرض منزله لمداهمة من قوة مدججة بالسلاح، بعد كتابته منشوراً انتقد فيه استقبال رئيس النظام السوري الفنانين سلاف فواخرجي ووائل رمضان، بظل الازمات المعيشية المتتالية التي يعيشها السوريين.

قد يهمك: وزارة العدل.. تعميم جديد بخصوص توقيف المتهمين بجرائم إلكترونية

تلك الحادثة التي أوصلت الانتقاد إلى الرئاسة، قرعت على ما يبدو طبول الخطر لدى المسؤولين الذين سارعوا لإصدار قانون الجريمة الإلكترونية، الذي يحمل رسائل تخويفية واضحة للسوريين أبرزها: "توقفوا عن الانتقاد وإلا السجن في انتظاركم".

مع خروج العديد من المعتقلين مؤخراً من السجون السورية، بعد مرسوم العفو، أصبح هناك متسع كبير للمزيد من منتقدي حكومة النظام وسياساتها الداخلية والخارجية، هكذا يهمس غالبية السوريين اليوم، والذين يفضلون متابعة حياتهم بعيداً عن عواقب اتهامهم بالنيل من هيبة دولتهم، والتي لا تستطيع تقديم أي شيء لهم فيما خلا المزيد من القيود.

يذكر أن قانون الجرائم الإلكترونية، سيصبح أمراً واقعاً اعتباراً من 19 أيار الجاري، وقد حذرت منه الكثير من الأوساط الحقوقية في البلاد، مطالبين الحكومة بالتراجع عنه لصالح إصدار قوانين أخرى تضيق على الفساد لا على منتقديه.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق