العمل الإعلامي شمال وشرق سوريا.. تطبيق للقانون أم تضييق حريات؟

(صحفيون ووسائل إعلام شمال وشرق سوريا-مواقع التواصل)
(صحفيون ووسائل إعلام شمال وشرق سوريا-مواقع التواصل)

سياسي | 08 فبراير 2022 | محمد أمين ميرة

تحديات العمل الإعلامي في زمن الحروب تبدو أكبر وأكثر تعقيداً في سوريا المنزلقة بحرب مستمرة منذ أكثر من 10 أعوام، ويواجه الصحفيون ووسائل الإعلام هناك انتهاكات متصاعدة، قد تصل إلى درجة القتل أو الإخفاء.


حالات تضييق على الحريات الإعلامية، وتهديدات تمسّ أمن وسلامة الصحفيين وحرية العمل الصحفي، شكلت وفق جهات صحفية وحقوقية، أسباباً مباشرة للانتهاكات المرتكبة بحق الإعلام شمال وشرق سوريا، رغم تأكيد السلطات المسيطرة على تلك المناطق، تطبيق القوانين وعدم التعسف بتنفيذها.

"الإدارة الذاتية تصدرت قائمة الجهات المنتهكة للحريات الصحفية في سوريا للشهر الثالث على التوالي"، وفق أحدث تقارير أصدرها المركز السوري للحريات الصحفية التابع لرابطة الصحفيين السوريين (تأسست في فرنسا وهي عضو الاتحاد الدولي للصحفيين IFJ).

انتهاكات الإعلام

قوة مسلحة تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، داهمت بداية شباط/فبراير الجاري، منزلي مراسل يكيتي ميديا الإعلامي "باور ملا أحمد" ومراسل تلفزيون ARK "صبري فخري" واقتادتهما إلى جهة مجهولة.

(الصحفيين صبري فخري وبارو ملا أحمد- نقابة صحفيي كوردستان في سوريا)

عناصر من PYD اعتقلوا الإعلامي جيندار بركات، بعد مداهمة مكان عمله في مدينة الحسكة، كما تم إيقاف الصحفي دليل سليمان عن العمل، على خلفية تصويره مشاهد جوية أظهرت حراقات تكرير النفط في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا.

(الإعلامي جيندار بركات-مواقع التواصل)

ومنعت الإدارة الذاتية في الوقت ذاته، قناتي روداوو وكردستان 24، من العمل في مناطق شمال وشرق سوريا"، كل ماسبق ذكره من انتهاكات وثقها المركز السوري للحريات الصحفية.

تقرير المركز أكد منع الإدارة الذاتية لقناة رووداو (مقرها مدينة أربيل العراقية) من تغطية أحداث سجن غويران، وإيقاف عملها شمال وشرق سوريا، بعد سحب رخصة العمل الصحفي منها، ومن العاملين لديها في تلك المناطق.

"احتجاز الصحفيين ومنعهم إلى جانب مؤسسات إعلامية من العمل، دليل إضافي على القمع وزيف الشعارات الديمقراطية البراقة التي تطلقها الإدارة الذاتية" وفق ما ذكره لِروزنة مدير المركز السوري للحريات الصحفية في الرابطة الصحفي والحقوقي إبراهيم حسين.

(انتهاكات وثقها المركز السوري للحريات الصحفية-رابطة الصحفيين السوريين)

وتنشط في مناطق شمال وشرق سوريا عشرات المؤسسات الإعلامية، تتنوع ما بين شبكات إخبارية وإذاعات وقنوات فضائية، ويخضع عملها لقوانين وتعليمات دائرة الإعلام في الإدارة الذاتية.

اتهامات ونفي

الإدارة الذاتية التي ترفض وصف ما سبق بالانتهاكات، تقول إن الصحفيين الذين تم اعتقالهم أو إيقافهم عن العمل، خالفوا قوانين ولوائح تنفيذية، تتعلق بقواعد ممارسة العمل الصحفي.

دائرة الإعلام لدى الإدارة اتهمت شبكة رووداو بـ "إثارة النعرات وتشويه صورة المؤسسات العاملة في شمال وشرق سوريا، والتي تضر بالنسيج الاجتماعي في المنطقة"، وتحدثت عن "توجيه إنذارين للشبكة في الفترات الماضية، ورغم ذلك استمرت في سياستها الإعلامية".

شبكة رووداو اعتبرت بدورها البيان الصادر عن الإدارة الذاتية "عملاً سياسياً بحتاً لا يستند الى أي أساس قانوني" وأكدت أنها "تعمل بمهنية وفقاً للتعليمات والقوانين في كل مكان" واصفة الخطوة "جريمة بحق حرية العمل الإعلامي".

 

وفق توثيقات المركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين السوريين فإن حزب الاتحاد الديمقراطي تصدر الجهات التي ترتكب...

Posted by Ibrahim Hussein on Sunday, February 6, 2022

نقيب نقابة صحفيي كوردستان سوريا، عمر كوجري اعتبر الاتهامات الموجهة للصحفيين ووسائل الإعلام "تشبه إلى حد بعيد ممارسات النظام السوري في مواجهة خصومه، خاصة عندما يلصق تهماً للسوريين باقتطاع جزء من أرضهم إلى دول أجنبية وما ساقه بيان الإدارة الذاتية يندرج ضمن إطار التهم الجاهزة".

لا مستند قانوني

حاولت روزنة التواصل مع الإدارة الذاتية للتعليق بشكل مباشر على التقارير الموثقة بخصوص انتهاكات الصحفيين ومؤسسات الإعلام شمال وشرق سوريا، وكانت الإجابة بأن القوانين واللوائح التنفيذية واضحة ويمكن الإطلاع عليها، دون تقديم أي معلومات أخرى إضافية.

"قرار دائرة الإعلام في الإدارة الذاتية عام ودون أيّ مستند قانوني ملموس"،  وفق مسؤول شبكة الصحفيين الكُرد السوريين، الصحفي علي نمر، الذي ذكر في تصريحاته لِروزنة أن "العقوبة حين تصل لحالة إلغاء ترخيص المهمة، يجب تقديم وثائق تثبت الأسباب".

 

بيان من شبكة الصحفيين الكُرد السوريين ثلاث انتهاكات في يومٍ واحد: إغلاق مكتب «روداو» واعتقال زميلين أعلنت دائرة الإعلام...

Posted by ‎شبكة الصحفيين الكُرد السوريين‎ on Sunday, February 6, 2022

كما يجب تضمين القرار بـ "التقارير التي لعبت دوراً في إثارة النعرات وحدوث ذلك على أرض الواقع، والأماكن التي شوّهت فيها صورة المؤسسات العاملة في مناطق شمال وشرقي سوريا".

بناء على ذلك فإنّ "حجّة قرارات الإدارة الذاتية غير كافية لإغلاق وسيلة إعلامية حتى وإن اعتمدت في قرارها على قانون الإعلام المعتمد في مناطقها، لأنها ارتكزت على الفقرتين (أ) و(ب) من الباب الثاني، والمادة الثانية من القانون، اللتان لا تحملا الصيغة القانونية الصحيحة في اتخاذ عقوبة إلغاء الرخصة" حسب نمر.

وحتى في حال مخالفة مؤسسة ما للقوانين المتبعة، فهناك اعتبارات للعمل في مناطق النزاع والحروب، وتكون المخالفات نسبية ومتفاوتة، ولا تصل لعقوبة الإلغاء النهائي إلا في حالة ارتكاب خطأ كبير بحسب نمر الذي يعتقد أن "معظم الوسائل تنفذ ولو جزء يسير من المعايير الدولية للعمل الصحفي، التي تحميها من أيّة عقوبة بهذه الدرجة".

حماية الصحفيين

محلياً تشرف دائرة الإعلام في الإدارة الذاتية على العمل الصحفي شمال وشرق سوريا، بالإضافة لاتحاد الإعلام الحر الذي يضم المئات من الأعضاء، كان من المفترض أن تدافع عن الصحفيين ولا تصدر قرارات مسيسة حسب الصحفي نمر.

نقيب نقابة "صحفيي كوردستان سوريا" عمر كوجري اعتبر في حديث لروزنة، أن "لا جهة محايدة يمكن اللجوء إليها بالوقت الحالي، والمؤسسات الحالية تعمل ضمن إطار سلطة الإدارة الذاتية، بمعنى أنها تبقى جزءاً من المشكلة لا الحل".

كوجري اتهم المؤسسات القوية والتي تدعمها الإدارة الذاتية تتغاضى كثيراً عن الانتهاكات بحق الصحفيين غير السائرين في فلكها، وغير الموظفين في مؤسساتها.

أكد النقيب على ضرورة أن يكون التعامل القانوني شفافاً دون لبس أو غموض، بقانون يوافق عليه الصحفيون والمنظمات والنقابات والمؤسسات يحمي الصحفيين، وعلى أساسه يتم التعامل مع أي مخالفة بطريقة واضحة.

قوانين دولية

المادة 79 من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف 1949 لحماية المدنيين بالنزاعات العسكرية تنص على أن "الصحفيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين، وحمايتهم من كل شكل من أشكال الهجوم المتعمد، شريطة ألا يقوموا بأعمال تخالف وضعهم كمدنيين".

وبموجب المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، تعد الجرائم الواقعة ضد المدنيين والأعيان ومن ضمنها مقرات وسائل الإعلام جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كما أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود والجغرافية".

منظمة "مراسلون بلا حدود" التي صنفت سوريا في المرتبة 173 من أصل 180 مؤشر حرية الصحافة، قالت في آخر تقاريرها إن البلاد ما زالت واحدة من أكبر سجون الصحفيين في العالم، وأن الإعلاميين في بلادهم يئنون تحت أهوال الحرب.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق