تقارير | 23 12 2021
محمد أمين ميرة
"يتخاطف السوريون ربطات الخبز من سيارات البيع أو الإغاثة" هو مشهد تكرر خلال السنوات العشر الأخيرة، ويبدو أن جدران الحصار العسكري ليست الوحيدة التي ضيقت على حصة المواطن من أرغفة الخبز القليلة.
مشاهد الطوابير للحصول على رغيف خبز أو على بعض المواد الغذائية، لم تعد مقتصرة على منطقة سوريّة بعينها، بل وصلت إلى مناطق جديدة، و انتشرت مشاهد على مواقع التواصل، لخصت حاجات إنسانية وغذائية متزايدة، تؤكدها التقارير المحلية والدولية.
"المزيد من السوريين ينزلقون الى براثن الجوع والفقر وانعدام الأمن الغذائي أكثر من أي وقت مضى" هي جملة المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي جيسيكا لوسون وكالة فرانس برس.
تخفي هذه الجملة خلفها كارثة غذائية لمجمل السوريين في مختلف البلاد مع انخفاض الناتج المحلي بنسبة 67 بالمائة، وفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" في 21 كانون الأول/ديسمبر 2021.
بحسب الفاو فإن استمرار النزاعات والحروب في عدد من الدول، يفاقم مشكلة انعدام الأمن الغذائي، وتسبب في سوريا بحاجة 30 في المئة من السكان إلى مساعدات إنسانية، و 9 في المئة من السوريين إلى مساعدات غذائية.
عوامل مؤثرة
الأوضاع المعيشية تزداد سوءاً في مختلف أنحاء سوريا، وتنعكس على حالة الأمن الغذائي فيها، لعوامل عديدة، أبرزها النزاعات والحروب، والغلاء والفقر والبطالة ونقص بعض المواد الرئيسية، فضلاً عن انخفاض قيمة العملة السورية والتركية مقابل العملات الأخرى الأجنبية.
الجفاف هذا العام كان شديداً، ولم يمر على سوريا مثله، ومعظم المساحات المزروعة بعلا خرجت من الاستثمار، حسبما ذكر وزير الزراعة لدى النظام السوري حسان قطنا.
الجفاف يضاف إلى عوامل أخرى تشهدها البلاد منذ سنوات، وتجعلها تعيش حالة من الندرة في توافر القمح، بعدما كانت الصوامع مليئة وتكفي لنحو خمس سنوات على الأقل.
يعتبر الخبز مادة رئيسية بالنسبة للكثير من السوريين، نظراً لغلاء الكثير من المواد الغذائية الأخرى وقلة توفرها، فضلاً عن كون رغيف الخبز مادة رئيسية إلى جانب وجبات الطعام بالنسبة لغالبية العائلات.
طوابير لشراء الخبز في سوريا (مواقع التواصل)
طوابير وحالة فقر مدقع
بوادر انهيار اقتصادي في الشمال السوري الذي يسيطر عليه الجيش الوطني السوري (المعارض) وثقها تقرير لفريق منسقو الاستجابة في سوريا، في كانون الأول/ديسمبر 2021.
أكد التقرير ارتفاع الأسعار هناك لمستويات قياسية، وزيادة معدلات التضخم، وانخفاض القوة الشرائية للسكان، فضلاً عن التقلبات الشديدة لليرة التركية، التي تستخدم بشكل رئيسي شمال غربي سوريا.
في تلك المناطق استبدلت الليرة السورية بالليرة التركية منذ حزيران/يونيو 2020، وبات استخدام السورية محدوداً بعد انخفاض قيمتها أمام الدولار الأمريكي وإلغاء اعتمادها كعملة رئيسية في دوائر القوى المسيطرة.
اقرأ أيضاً: هل تواجه سوريا خطر انهيار القطاع الزراعي؟
يعيش 97 ٪ من سكان الشمال السوري في فقر مدقع، بحسب تقديرات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA)، فكل تسعة من بين كل عشرة أشخاص يعيشون تحت خط الفقر، في شمال غربي سوريا، وفق تقرير "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" منتصف أيلول/سبتمبر 2021.
لا يمكن فصل الجوع المرتقب عن تراجع مستوى دخل الفرد، وارتفاع نسب البطالة، حيث يقول التقرير الأممي إنّ 70 بالمئة من الرجال، و61 بالمئة من النساء عاطلون عن العمل، و18بالمئة فقط من الرجال الذين عملوا في الأشهر الثلاثة الماضية يعملون بدخل منتظم.
بعد أكثر من خمسة أشهر على قرار لمجلس الأمن، مدد آلية دخول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا لمدة عام واحد، يبدي مسؤولو إغاثة وناشطون خشيتهم من ما قد تحمله المرحلة القادمة.
فكل من روسيا والصين شددتا في جلسة لمجلس الأمن، والتي عقدت بتاريخ 20 كانون الأول/ديسمبر 2021، على رفض تمديد قرار المساعدات الإنسانية (إدخال المساعدات عبر باب الهوى)/ ومستقبل تسلم هذه المساعدات في العام القادم.
الأوضاع الصعبة دفعت سوريين قبل نحو يومين، إلى إيقاف سيارة تابعة لأحد الأفران، كانت تستعد لتوزيع الخبز في مدينة الباب شرقي حلب، ليقوموا بتوزيعه على المارة، في حركة وصفت بالاحتجاجية على ارتفاع سعر "ربطة الخبز الواحدة" إلى ليرتين تركيتين.
اعترض أهالٍ في مدينة الباب بريف #حلب سيارة توزيع خبز تابعة لأحد أفران المدينة، وتم توزيع محتوياتها على المارة، وذلك اعتراضاً على رفع سعر ربطة الخبز التي وصل سعرها إلى ليرتين تركيتين#سوريا_ستريم pic.twitter.com/HLr2Wq4d4p
— سوريا ستريم - Syriastream (@syriastream) December 21, 2021
لايختلف الحال كثيراً في مناطق إدلب التي تديرها حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، وإلى جانب المشكلات الاقتصادية ذاتها التي تعانيها مناطق الجيش الوطني السوري (المعارض).
فرن في إدلب (مواقع التواصل)
أزمة الخبز أثارت غضب السوريين من ذوي الدخل المحدود في مناطق سيطرتها أيضاً، بسبب اضطرارهم للانتظار طويلاً لساعات، إضافة لحصر البيع عبر الأفران، فيما اشتكى آخرون من عدم وجود أفران مدعومة في مناطقهم، ما يضطرهم لشراء الخبز الحر.
وبدأت طوابير الخبز في الأتارب الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام بالظهور، بعدما أصدرت وزارة الاقتصاد لدى حكومة الإنقاذ قراراً في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، حدّدت من خلاله سعر ربطة الخبز المدعوم ( 600 غرام - 7 أرغفة) بـ 2.5 ليرة تركية، والربطة غير المدعومة بذات الوزن بسعر 3.5 ليرة تركية، بحسب ما قال لـ"روزنة" مركز الأتارب الإعلامي.
حكومة الإنقاذ رفعت وبشكل متكرر أسعار الطحين والمحروقات اللازمة لتصنيع الخبز ومواد غذائية عديدة
وقبل قرار حكومة الإنقاذ انخفض وزن ربطة الخبز خلال شهر ونصف إلى ( 450 غراماً - 5 أرغفة) و بسعر 2.5 ليرة تركية بعدما كان 700 غرام، وهو ما لا يتناسب مع المدخول الشهري للسوريين، إذ توجد عائلات تحتاج يومياً إلى 5 أو 6 ربطات بثمن يصل إلى 15 ليرة تركية.
في تشرين الأول/أكتوبر 2021، أكد فريق منسقو الاستجابة أن الأسعار في إدلب وصلت إلى مستويات قياسية، وزيادة ملحوظة في معدلات التضخم، أدت إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين ونقص نسبي في بعض المواد الاستهلاكية.
أزمة قمح شرقي سوريا
سكان شمال شرقي سوريا يعانون من الضعف في إنتاج محصول القمح الذي يعتبر من المحاصيل الأساسية للمنطقة، وفق بيان للإدارة الذاتية في 4 من تشرين الثاني/نوفمبر 2021.
الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتيّة سلمان بارودو، كان قد ذكر في البيان المذكور، أنّ مخزون القمح الحالي يقدر بحوالي /200/ألف طن، والكمية اللازمة لتغطية حاجة مناطق شمال وشرق سوريا تقدر بـ/ 700/ ألف طن.
المشهد المشترك لكل السوريون يتكرر هنا أيضاً، في تلك المناطق التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية"، نشهد وقوف الأهالي في طوابير أمام أبواب الأفران، وفق صور وفيديوهات عديدة.
أزمة الخبز في القامشلي (صوت قامشلو -فيسبوك)
وجاء في تعميم بتاريخ 1 كانون الأول/ديسمبر للإدارة الذاتية، وجوب اعتماد سعر 300 ليرة سورية لـ "ربطة الخبز" بوزن 1.250 كيلوغرام، وعدد تسعة أرغفة.
ويباع الخبز في تلك المناطق على فئتين من الأفران، المدعومة والسياحية، التي تنتج خبزاً من الطحين المستورد من إقليم كردستان العراق، لكن غلاء السياحي يتسبب في ازدحام على أفران الخبز العادي.
وتعتبر الزراعة من أهم مصادر الدخل شمال شرقي سوريا، ولم يتمكن فلاحون كثر من زراعة أراضيهم هذا الموسم بسبب الجفاف وارتفاع أسعار البذور، ومادة المازوت، وباقي مستلزمات الزراعة.
صوامع قمح في الرقة (مواقع التواصل)
كانت شحنة بذور قمح أميركية وصلت إلى شمال شرقي سوريا، في تشرين الثاني/نوفمبر، قد أشعلت حرب تصريحات بين الإدارة الذاتية في تلك المناطق وحكومة النظام السوري، حول صلاحية تلك الحبوب للزراعة، واحتمال نقلها آفات زراعية.
مع وصول 3 آلاف طن من بذور القمح للزراعة الأميركية إلى مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، وصفت وزارة الزراعة في حكومة النظام إدخال أي كمية من القمح من الجانب الأميركي إلى سوريا بأنه "غير شرعي ويتضمن مخاطر صحية".
قد يهمك: بذور قمح أميركية تشعل حرب تصريحات بين الإدارة الذاتية والنظام السوري
ورداً على تصريحات وزارة الزراعة، قال رئيس هيئة الاقتصاد و الزراعة في "الإدارة الذاتية"، سلمان بارودو، لِروزنة إن "البذار التي استلمناها من الوكالة الأميركية للتنمية لم توزع نهائياً ولا تزال تحت الاختبار كي يحللها مهندسون وخبراء تابعون للإدارة الذاتية".
ولفت المهندس الزراعي عيسى أحمد، الرئيس السابق لدائرة زراعة القامشلي، في حديث لروزنة إلى أن "أميركا بالذات غير محتاجة لافتعال أزمة اقتصادية في شمال شرقي سوريا بإرسال القمح المعفن أو وجود آفات مرضية".
مناطق سيطرة النظام السوري
أكثر من 90 في المئة من المساحات المزروعة بعلاً الموسم الماضي فُقدت، والإنتاج فيها كان بالحدود الدنيا نتيجة التغيرات المناخية والجفاف، وتوقف الأمطار تماماً وانقطاعها منذ منتصف آذار 2021 هو تصريح رسمي آخر يدق الأجراس حول اقتراب الكارثة.
يقول مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة في حكومة النظام السوري أحمد حيدر، قال في تصريح لـ (روسيا اليوم) في حزيران/يونيو الماضي: "الرهان الآن على زيادة المساحة ضمن المناطق الآمنة، وقد تحقق ذلك لكن الظروف المناخية والجفاف أثرت على الإنتاج".
طوابير تنتظر الخبز في أحد أفران دمشق (مواقع التواصل)
مشهد الطوابير ربما يكون أكثر قدما من ناحية الظهور في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، وفي بعض المحافظات يتجاوز انتظار ربطة الخبز الواحدة 4 إلى 5 ساعات.
ورغم إصدار النظام السوري مرسوماً برفع الرواتب منتصف كانون الأول/ديسمبر، إلا أن مناطق سيطرته تشهد موجات غلاء كبيرة في مختلف المحافظات، رافقها انخفاض في قيمة صرف الليرة السورية أمام مختلف العملات، لا سيما مقابل الدولار الأمريكي.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، يلجأ السوريون غالباً للاعتماد على مصادر أخرى غير الراتب، ومنها الاعتماد على أعمال إضافية، أو على الحوالات المالية والمساعدات لتأمين أساسيات الحياة.
تستهلك سوريا نحو 2.5 مليون طن من القمح سنوياً، وفق تقارير صحفية سابقة، يتم تأمين القسم الأكبر منها عن طريق الإنتاج المحلي فيما تستورد الباقي، بعد ما كانت مكتفية ذاتياً قبل 2011، بإنتاج يصل إلى أربعة ملايين طن سنوياً، مع إمكانية تصدير 1.5 مليون طن.
المسؤول في الاتحاد العام للفلاحين التابع للنظام السوري، محمد الخليف، ذكر لصحيفة الوطن في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أن النسبة الأكبر من الفلاحين يؤمّنون مستلزمات الإنتاج من السوق السوداء، وتعتبر كميات البذور والأسمدة والمحروقات المقرر أن توزعها الحكومة على الفلاحين للموسم القادم غير كافية.
ومنذ عام 2011 وحتى 2021، تكرر الحديث عن ضرورة الزيادة على الرواتب، بما يتناسب مع حالة الغلاء والوضع الاقتصادي الذي كان فترة بعد أخرى يزداد صعوبة، من دون تحسن يذكر.
وكانت 13 منظمة إغاثة، قد حذرت في بيان في آب/أغسطس 2021، من أن أكثر من 12 مليون شخصاَ في سوريا والعراق مهددون بخسارة مصادر المياه والغذاء والكهرباء حسبما نقلت صحيفة "اندبندنت" البريطانية.