استخدام القنابل اليدوية في سوريا: تصفية الحسابات العائلية بغياب القانون

استخدام القنابل اليدوية في سوريا: تصفية الحسابات العائلية بغياب القانون
اجتماعي | 12 أكتوبر 2021 | مالك الحافظ

يبدو أنه أصبح على السوريين اليوم الاعتياد على صورة شخص غاضب يهدد ويفجر بقنبلة يدوية. لا سيما بعد ازدياد حوادث استخدام القنابل في مناطق سيطرة حكومة دمشق، في ظل تدهور معيشي مزمن.

  
تغيب المحاسبة الحكومية وتنتشر الأسلحة دون وجود أي رادع أوتبرير حقيقي مقنع لكل ما يحدث من قبل حكومة دمشق، فبات من المعتاد سماع قصص اعتداءات سقط فيها ضحايا باستخدام قنابل يدوية لتصفية خلافات عائلية، وسط تساؤلات عن مصدر هذه الأسلحة وكيفية الحصول عليها مع انتقادات وسخرية وتخوف الكثير من السوريين على منصات التواصل الإجتماعي.
 
آخر هذه الحوادث كان  إصابة 8 أشخاص في حي الدحاديل بدمشق، يوم الأربعاء الماضي، بقنبلة يدوية بسبب خلاف وقع بين شخصين أقدم أحدهما على رميها مسببا إصابة كل من كانوا في المكان قبل أن يفر.
 
تسيّب الفصائل المحلية.. هل النظام مسؤول؟
 
رغيد وهاب (اسم مستعار لمُدرس متقاعد في محافظة اللاذقية، 66 عاماً) يتحدث لـ "روزنة" عن اللحظات العصيبة التي مرت عليه وعائلته في وقت استشعروا فيه أن الموت مر بجانبهم بسبب قنبلة. 
 
يوضح وهاب "بيقولوا الفقر بيقتل صاحبه، لكن الأسبوع الماضي نجينا بسبب الفقر. قررنا أنا وابني نروح لنشتري الخبز من فرن حيّنا بمنطقة الرمل الشمالي، ثمن الخبز ما ضل معنا لأنه اضطرينا نجيب الدواء لمرتي والصيدلية كانت قريبة من الفرن، دقايق قليلة بعدتنا عن الموت، اختصرنا الطريق ورحنا للصيدلية نشتري الدوا". 
 
وتابع "بعد ما طلعنا كان في عنصر بالدفاع الوطني رمى قنبلة على صاحب الفرن بسبب خلاف شخصي معه، ما عرفنا كم واحد توفى لكن عالأقل في 3 ماتوا ومتلهم مصابين، الوقت كان قبل الظهر بشوي فما كان في زحمة والشارع شبه فاضي. نحنا الله نجانا من الموت بس يلي راح عمره هيك بسبب فلتان أمني وفوضى سلاح وغياب القانون والأخلاق شو كان ذنبهم؟". 
 
 الحوادث المسجلة بسبب خلاف عائلي تكثر أيضا، ففي ريف طرطوس قام زوج ستيني برمي قنبلة على زوجته وأبنائه بسبب خلاف معها. فأصيب شاب وفتاة منهم وسلم الأب نفسه.
 
سبقتها حادثة أقدم فيها زوج مختلف مع زوجته على رمي قنبلة يدوية على منزل أهلها  في منطقة نهر عيشة بالعاصمة دمشق ما أدى إلى مقتلها وتأذي والدتها وشقيقتها وعدد ممن كانوا في المنطقة، في حين حاول هو الانتحار. 
 
الاختصاصي الاجتماعي صفوان قسام، يرى أن ما يدفع الناس لاستخدام السلاح كالقنابل اليدوية، يتعلق بجانبين هما سياسي واجتماعي، معتبراً أن الجانب الأخير يمكن الإشارة إليه من خلال برمجة الناس على استخدام السلاح بعد انتشاره لفترة طويلة بينهم وفي المناطق التي يسكنوها بفعل حالة الحرب.
 
ويضيف خلال حديث لـ"روزنة"، "أما الجانب السياسي فيتصل بوجود توجيه أو رغبة لدى النظام في هذا الأمر، حيث كان يتم ذلك في المناطق البعيدة والحدودية، وكان أيضاً لدى النظام خطة بإنشاء جيش شعبي لحماية حدود الدولة فالأماكن القريبة من الحدود السورية كانوا يغضون النظر عن السلاح الموجود فيها".
 
كذلك فإن الموضوع الأمني لعب دوراً في انتشار السلاح على مدى سنوات الحرب الطويلة، فأصبح هناك سلاح عشوائي غير مضبوط وسهل ومتناول للجميع، بحسب قسام، "لم يعد هناك تدقيق على هذا الأمر نهائيا. بات ظاهرة شائعة". 
 
أما في الجانب الاجتماعي يتمثل بشكل رئيسي في غياب الأمن، ففي المجتمعات التي تتعرض لضغوط أمنية ويرتفع معدل العنف فيها، فإن انتشار السلاح يصبح أمرا عاديا، بحسب قسام، ويضيف "استخدام السلاح تجاه أي أحد بات حاصلا لأنه يصبح أسرع حل لديهم لأن درجة غضبهم ترتفع، كما يرتفع الانسياق وراء مشاعرهم؛ مشاعر الحقد والكراهية والتنفيس عن الغضب بطرق غير صحيحة، بخاصة أن مجتمعنا لم يعد فيه خيار وسط، الكل متطرف بالنسبة لموضوع رد فعله". 
 
القنابل تفتك بالأرواح وتُفكك العائلات!
 
تصفية الخلافات العائلية تخطت حدود التصورات، حينما تجرأ زوج على إلقاء قنبلة يدوية على زوجته وأخيها المحامي أمام القصر العدلي في محافظة طرطوس، ما أدى إلى وفاة شخصين بينهما محام، وإصابة عدد من عناصر الشرطة، وصل عدد المصابين 11 شخصا بسبب عملية التفجير، بحسب وزارة العدل في حكومة دمشق، في أواخر الشهر الفائت. 
 
تروي هادية أحمد (اسم مستعار لمهندسة 36عاماً، تقيم في دمشق وهي من محافظة طرطوس) قصة شقيقتها (48 عاماّ) التي يهددها زوجها بعد فترة ارتباط تمتد لأكثر من 20 عاماً إذا أزعجته بطلباتها أو أسئلتها حول أسباب غيابه الطويل عن المنزل برمي قنبلة عليها وعلى أطفالها (3 بنات، وصبي واحد) يستطيع جلبها متى ما أراد من مخزن أسلحة تابع لفصيل موالي لقوات النظام متطوع فيه منذ 5 سنوات، عند الأطراف الجنوبية لمحافظة دمشق. 
 
وتقول لـ"روزنة"، "هي ليس بيدها أي حيلة ماذا ستفعل، إن تركت أطفالها عند من ستلجأ، وهل تضمن ألا ينفذ وعده وفي هذه الحالة قد يتسبب بقتلها وعائلتها معاً. واقع معيشي صعب وحياة عائلية بائسة جداً، للأسف انفلات السلاح لا يقتل فقط السوريين بل يقضي على أمل الباقين في الداخل بحياة كريمة آمنة". 
 
الباحثة الاجتماعية، سمية الأزور، قالت إن ظروف الحرب التي عاشها السوريون وما نتج عنها من تدهور في الأحوال الاقتصادية والمعيشية أدى إلى نشوء العديد من الضغوط والأمراض الإجتماعية.
 
وأضافت خلال حديثها لـ"روزنة"، "من المنطقي جدا أن ترتفع وتيرة العنف ومع انتشار السلاح وسهولة الحصول عليه والاعتياد على مشاهد الدم، بتنا نشهد بساطة استخدام سلاح  كالقنبلة اليدوية للرد في نزاع ما، وكل شيء يبدأ غريبا ومع تكراره يصبح أمرا معتادا وتصبح محاسبته أو محاولة إيقافه أصعب". 
 
وزادت بالقول "لا أعلم إن كان يصح أن نسمي ذلك أعراف اجتماعية لكن نحن أمام أمور أصبح سماع حدوثها أمرا معتادا وسط غياب أي محاسبة وعقوبة، وفي ظل التفلت الأمني بهذه الناحية تدريجيا يصبح ذلك عرفا".
 
نسبة الجرائم في مناطق سيطرة حكومة دمشق في إزدياد واضح نتيجة تفشي السلاح الحربي بشكل عشوائي بين فصائل محلية تتبع قوات النظام، مثيرة الرعب والقلق بين المواطنين ، الذين يعانون من أزمات معيشية خانقة، بدعوى ضبط الأمن.
 
ارتفاع معدل الجرائم 
 
كما عبر عدد من السوريين على منصات التواصل الإجتماعي عن سخريتهم من الحال المضحك المبكي الذي تسببت به فوضى السلاح
 
تحتل سوريا المرتبة الأولى عربياً، والتاسعة عالمياً، بارتفاع معدل الجريمة لعام 2021، بحسب موقع Numbeo Crime Index المتخصص بمؤشرات الجريمة حول العالم. واحتلت دمشق المرتبة الثانية بارتفاع معدل الجريمة في الدول الآسيوية. وحسب الموقع، تعد سوريا من الدول التي يسجل فيها مؤشر الجريمة مستوى عالياً، إذ سجلت 68.04 نقطة من أصل 120 نقطة، في حين انخفض مؤشر الأمان إلى 31.60 بالمئة.
 
وجاءت سوريا في المرتبة (161 من أصل 163) على مؤشر السلام العالمي، الصادر من "Vision Of Humanity".
 
عضو إدارة التشريع في وزارة العدل، القاضي عمار بلال، بيّن أن "الجرائم كانت ترتكب سابقا حتى قبل الحرب في سوريا، وقد يرتفع الخط البياني أو ينخفض، ومع ذلك فإن سوريا لا تزال من أقل الدول في ارتكاب جرائم القتل الشخصية أو الجنائية".
 
وبرر خلال تصريحات صحفية ارتفاع نسبة جرائم القتل بسبب انتشار السلاح بين المواطنين، الأمر الذي يعود إلى "مساهمة بعض الدول بنشر السلاح في المجتمع السوري، إذ باتت تتواجد كميات كبيرة من الأسلحة بحوزة المدنيين".
 
وأضاف أن جرائم القتل هي الأكثر إثارة للذعر بين الناس "لذلك هناك اهتمام كبير بتناقلها، وهذا ما يفسر سرعة انتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
 
وسجّلت هيئة الطب الشرعي عام 2020 الماضي، حوالي 332 حالة قتل وهذا الرقم متراجع عن الأعوام السابقة، ففي عام 2019، وصلت جرائم القتل إلى حوالي 370 حالة،  بينما اعتُبرت نسبة الجريمة 1.8 من كل 100 ألف نسمة، بحسب القاضي عمار بلال.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق