خصخصة مؤسسات الدولة السورية: هل يتحقق مسعى النظام؟

خصخصة مؤسسات الدولة السورية: هل يتحقق مسعى النظام؟
اقتصادي | 04 أكتوبر 2021 | مالك الحافظ

بالانطلاق من استثمار القطاع الخاص للمنشئات الصناعية المتوقفة عن العمل بسبب الحرب، وخصخصة مؤسسات الدولة، يسعى النظام السوري لمواجهة أزماته الاقتصادية المتتالية إلى استهداف جذب رؤوس الأموال المحلية أو الأجنبية الحليفة له من أجل تحقيق انتعاش اقتصادي غير ممكن الحدوث، وفق رأي خبراء اقتصاديين.

 
آخر الخطوات المعلنة من قبل حكومة النظام كانت من خلال وزارة الصناعة في حكومة النظام، التي أشارت مطلع الأسبوع الفائت، إلى طرح 38 منشأة إنتاجية "متوقفة بسبب الحرب" للاستثمار بمشاركة شركات وأفراد من القطاع الخاص والدول الصديقة لإعادة بناء وتأهيل وتوفير كل ما يلزم لإعادة تشغيل هذه المنشآت ضمن نشاطها الأساسي أو أي نشاط آخر ينسجم مع طبيعة الموقع والأهمية الصناعية. وذلك بعد تأجيل لنحو ست سنوات من تنفيذ القانون رقم 5 لعام 2016. 
 
ووفقًا لما نقله موقع "رئاسة مجلس الوزراء" في الـ28 من أيلول الماضي، فإن المنشئات الحكومية التي عرضتها الوزارة للاستثمار متوقفة عن العمل نتيجة "الأعمال التخريبية" التي تعرضت لها خلال العشر سنوات الماضية. واشترطت الوزارة أن يُعاد تشغيل تلك الشركات بنشاط مشابه لعملها الأساسي أو بأي نشاط بديل تختاره الجهة المستثمرة، وضرورة انسجام النشاط البديل مع طبيعة الموقع والأهمية الصناعية للشركة، على أن تحدد المرجعية القانونية وفقًا للعروض المقدمة من المستثمرين.
 
ودعت الوزارة الراغبين بالاستثمار إلى تقديم عروضهم الاستثمارية حتى الـ 18 من تشرين الثاني المقبل.
 
الخطوة التي بدأتها وزارة الصناعة ستستكملها لاحقاً بعرض أكثر من 20 منشأة صناعية أخرى للتشاركية أو البيع، وفق ما أفادت به مصادر خاصة من محافظة دمشق لـ"روزنة" مرجحة حصول تطور جديد خلال الشهور المقبلة يقضي بعرض هذه المنشآت وغيرها للبيع على أساس أنها غير متلائمة مع إمكانيات الإدارة العامة للحكومة، وأنها بحاجة إنعاش من خلال سيطرة القطاع الخاص عليها.  
 
الوضع الاقتصادي للنظام هو السبب؟
 
الباحث الاقتصادي، كرم شعار، قال خلال حديث لـ"روزنة" إن ما قامت به وزارة الصناعة هو من الناحية النظرية خطوة لاستكمال لقانون الاستثمار الذي تم إصداره في شهر أيار. إلا أن حقيقة الأمر تدل على حالة حالة العوز الاقتصادي لدى النظام السوري. 
 
وأشار إلى وجود مؤشرات تبين حاجة النظام واستجداءه طبقة التجار الجدد من أثرياء الحرب للمشاركة في دعم اقتصاد النظام من خلال السيطرة على بعض المنشآت والقطاعات، وأضاف "لقد كان قانون الاستثمار سخياً بشكل غريب يصل إلى مرحلة استجداء لرؤوس الأموال". 
 
وقد سمح صدور قانون التشاركية (رقم /5/ لعام 2016) للقطاع الخاص ليس فقط الدخول كشريك في تقديم الخدمات العامة والاستثمار في المرافق العامة أو البنى التحتية بل أيضاً المشاريع العائدة ملكيتها للقطاع العام، إلى ضرورة إلقاء الضوء على مجالات تطبيق التشاركية وشروط نجاحها. 
 قد يهمك: تطورات جديدة تكشف عن ازدياد التدهور الاقتصادي


فيما لفت إلى أن دعوة وزارة الصناعة لا تشير إلى آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص "غير واضح إن كانت خطوة الاستثمار عبر شراء المنشآت ليتم تشغيلها من القطاع الخاص أو أن يتم عبر نظام بي او تي وهذا يدعو للقلق على مستقبل المنشآت العامة العائدة ملكيتها للشعب".
 
وتابع حول ذلك "طريقة إعلان وزارة الصناعة غريبة وتثير التساؤل حول آلية الاستثمار والتعاون بين القطاعين العام والخاص. إلا أنني أرى أن النظام يتجه لخصخصة القطاع العام منطلقا كخطوة أولى من هذه الاستثمارات التي قد يتم بيعها للمتنفذين الجدد من رؤوس الأموال التي ظهرت خلال الحرب". 
 
المشكلة أكبر من الخصخصة؟
 
لا تُعتبر المشكلة بخصخصة القطاع العام في سوريا، وإنما في آلية الخصخصة التي يرسم لها النظام السوري، بحسب شعار، حيث تدل المؤشرات والحالات السابقة المشابهة أن النظام سيبيع تلك المنشآت والمصانع لرؤوس الأموال بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية بمرات كثيرة، وفق تعبير شعار.
 
وزارة الصناعة في حكومة النظام، قالت في حزيران الماضي إن نحو نصف المنشآت العامة (منشآت القطاع العام الصناعية المملوكة للدولة)، وأكثر من ثلث المنشآت الخاصة، متوقفة عن العمل في سوريا.
 
وجاء في تقرير نشرته الوزارة، أن القطاع العام الصناعي يضم نحو 103 منشآت صناعية، من بينها 49 منشأة متوقفة عن العمل، وفق ما نقلت صحيفة "الوطن" المحلية.
 
وأوضح أن من بين 54 منشأة حكومية عاملة في مناطق سيطرة النظام، تعمل 34 بطاقتها الكاملة، في حين تعمل 20 أخرى بشكل جزئي، وأما عدد المنشآت الخاصة العاملة في القطاع الصناعي، فبلغ 130 ألف منشأة صناعية، منها 80 ألفاً عاملة و50 ألفاً متوقفة عن الإنتاج.
 
ووفق التقرير، أعادت الوزارة تأهيل 16 شركة عامة صناعية ومحلجاً، عن طريق المبالغ التي تم تخصيصها من لجنة إعادة الإعمار في الخطط الإسعافية على مدى السنوات الأربع الماضية.  وقدّرت وزارة الصناعة في حكومة النظام، في آذار الماضي، حجم الخسائر التي طالت القطاع الصناعي العام والخاص بسبب الحرب منذ العام 2011 بأكثر من 600 تريليون ليرة سورية.
 
ورغم أنه ومع بداية عام 2021، أصدر النظام السوري سلسلة من القوانين ذات الطابع الاقتصادي التي يعول عليها في حل أزمة تمويله المالي ورفد خزينته الفارغة بالنقد الأجنبي، إلا أن الظروف الاقتصادية المتردية دفعت الأسد في منتصف أيار الماضي إلى إصدار قانون الاستثمار الجديد (رقم 18) للعام 2021، الذي شملت نصوصه تقديم مزيد من التنازلات والتسهيلات أمام المستثمرين الأجانب.
اقرأ أيضاً: 3 أسباب وراء تدهور الاقتصاد السوري

 
وكانت وكالة الأنباء المحلية "سانا" قالت في شهر أيار الماضي، إن قانون الاستثمار الجديد "يهدف إلى إيجاد بيئة استثمارية تنافسية لجذب رؤوس الأموال، والاستفادة من الخبرات والتخصصات المختلفة وتوسيع قاعدة الإنتاج وزيادة فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي بما ينعكس إيجاباً على زيادة الدخل القومي وصولاً إلى تنمية شاملة ومستدامة".
 
بينما ذكر وزير الاقتصاد في حكومة النظام محمد الخليل خلال لقاء تلفزيوني سابق، إن القانون الجديد بُني على دراسة شاركت فيها جميع الوزارات لتحديد "الاستثمارات التي تفيد البلد بشكل أكبر"، وبذلك لم يساو القانون الجديد بين القطاعات كافة من ناحية المزايا والإعفاءات.
 
الخصخصة ليست بفكرة جديدة
 
المحلل الاقتصادي، أسامة قاضي، أشار خلال حديث لـ"روزنة" إلى أن عملية بيع القطاع العام ليست بالأمر الجديد، فقد كان ذلك موجوداً في "الخطة الخمسية الحادية عشر"، والتي لو قُدّر لها أن تطبق، كانت ستنطلق منذ عام 2011 وحتى عام 2015. ومن بين أهداف تلك الخطة التي وافقت عليها حكومة دمشق في تشرين الثاني عام 2010، استكمال عملية الإصلاح الاقتصادي في إطار اقتصاد السوق الاجتماعي كركيزة للتنمية الاقتصادية، وتعزيز مبدأ التشاركية بين القطاعات الاقتصادية الوطنية لخلق اقتصاد وطني قوي متنوع المصادر ذي قدرة تنافسية عالية.
 
بينما أشار إلى أن ارتفاع مستوى الفساد في سوريا، يمنع حدوث خصخصة في سوريا، فعملية بيع القطاع العام "تحتاج إلى التأكد الفعلي من فشل هذا القاط، ولا يصح بيعه إن كانت أسباب الفشل تتعلق بالظروف القاهرة في المجتمع أو الفساد، كذلك يجب أن تكون هناك دراسة حقيقية من أجل الاستثمار لهذا القطاع، مع ضمان وجود نسبة من العمالة الوطنية التي كانت تعمل سابقاً في القطاع العام".  
قد يهمك: النظام يعيد ترتيب الضرائب ويمهد لرفع أسعار السلع


من الصعوبة انجذاب المستثمر خلال الفترة الحالية في ظل عدم وجود مناخ آمن، حيث يمكن أن تنجذب الرساميل الخارجية إلى سوريا، فضلاً عن وجود الكثير من المعوقات التي تمنع اندفاع العديد من رجال الأعمال للاستثمار في سوريا، سواء بسبب تهاوي سعر الصرف وغياب كل عوامل استمرار الإنتاج، لا سيما شبه غياب تام للمواد الأولية وحوامل الطاقة.
  
وبحسب صحيفة "الوطن" المحلية، منح قانون الاستثمار الجديد إعفاءات "غير مسبوقة" تتراوح نسبتها ما بين 50 و 75 بالمئة على ضريبة الأرباح لمروحة واسعة من المشاريع الصناعية، أهمها مشاريع صناعة التقنيات، والصناعة الطبية والدوائية، والطاقات المتجددة، وتدوير النفايات والمشاريع الحرفية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق