انخفاض تاريخي والنظام عاجز عن مواجهة تدهور الليرة السورية

انخفاض تاريخي والنظام عاجز عن مواجهة تدهور الليرة السورية
اقتصادي | 03 مارس 2021 | مالك الحافظ

انهيار جديد شهدته قيمة الليرة السورية خلال اليومين الماضيين، متزامناً مع ارتفاع كبير بأسعار المواد الغذائية، في ظل عجز واضح للنظام السوري عن أي تدخل لوقف ارتفاع الأسعار أو تدهور قيمة صرف الليرة مقابل الدولار. 


ولعل المجاعة التي كانت تحذر تقارير أممية من وصولها إلى سوريا، باتت أقرب من أي وقت مضى وفق محللين اقتصاديين محليين، وهم الذين أشاروا إلى أن الإجراءات الاقتصادية للنظام السوري لا تتعدى أن تكون "إيقاف مؤقت" لانهيار قيمة الليرة السورية، في الوقت الذي تنتظر فيه انهياراً أكبر. 

و سجلت أسعار العملات الأجنبية، في مناطق سيطرة النظام عند افتتاح  تداولات اليوم الأربعاء، ارتفاعا جديدا بالمقارنة مع أسعار افتتاح أمس. وبيّن موقع "الليرة السورية" أن سعر صرف الدولار بلغ في افتتاح تداولات اليوم 3950 ليرة سورية شراء، و4000 ليرة سورية مبيع، فيما بلغ سعر اليورو 4772 ليرة سورية شراء، 4838 ليرة سورية مبيع.

الباحث الاقتصادي، د.فراس شعبو، اعتبر خلال حديث لـ "روزنة" أن النظام السوري ليس لديه القدرة على تغطية نفقاته اليومية في ظل سوء إدارته للأزمات الاقتصادية، مشيراً إلى أن تدهور الليرة يأتي كنتيجة طبيعية لسوء أوضاع الاقتصاد في الحالة السورية.

وتابع بالقول أن "خروج موارد الدولة من سيطرة النظام جعلته خالي الوفاض… هناك عجز 40 بالمئة في الموازنة العامة، وهذا العجز لا بد أن تظهر آثاره في السوق و ذلك من خلال ضخ كمية هائلة من العملة الجديدة من فئة الـ 5 آلاف، و هو ما أدى لانخفاض قيمتها بسبب كثرة العرض منها".  

وتوقع اقتصاديون في وقت سابق أن ضخ النظام للعملة الجديدة من فئة الـ 5 آلاف، ستؤدي إلى تدهور قيمة الليرة السورية، رغم إدعاءات النظام أن طباعة العملة الجديدة سيتغلب على تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي.
قد يهمك: النظام السوري يعترف بتدهور الأمن الغذائي لهذه الأسباب


يشار إلى أنه ومنذ بدء طرح الورقة النقدية من فئة 5 آلاف ليرة (أواخر شهر كانون الثاني الماضي)؛ ارتفعت الأسعار بشكل "جنوني"، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد، 2900 ليرة، ليصل سعره اليوم إلى 4000 ليرة، وسط توقعات بانخفاض قيمة الليرة، أكثر في الفترة القادمة. 

و تُقدّر كمية الليرات السورية التي طرحت في ظل طباعة فئة الـ 5 آلاف ليرة بأكثر من 1.100 مليار ليرة سورية، وهو رقم ضخم بالنسبة لاقتصاد ضعيف كالاقتصاد السوري، مما أدى لإغراق السوق بالليرة فانهارت قيمتها بشكل حاد، كما أن العامل النفسي سيزيد من وتيرة الانهيار، فغالبية السوريين يسعون للتخلي عن الليرة لصالح الدولار أو الذهب، بحسب الخبير الاقتصادي، د.يحيى السيد عمر.

وتابع أن "النظام عقّد المشهد الاقتصادي وواقع الليرة من خلال طرحه فئة الـ 5 آلاف، وكما أسلفنا فسحب الفائض النقدي الذي سببه هذا الطرح بحاجة لعدة أشهر لعلاجه، لذلك يجب إيقاف طرح الأوراق التي لم تطرح بعد".

ومما ساعد في تسريع وتيرة الانهيار رفع سقف القروض في سوريا وافتتاح مؤسسات تمويلية جديدة لمنح القروض، فمؤخراً أصدر الأسد قراراً يسمح بإنشاء مؤسسات تمويل جديدة تمنح قروض للسوريين، مما سبب زيادة حادة في عرض الليرة السورية وبالتالي تدهور قيمتها.

أسباب تدهور قيمة الليرة السورية

تتعدد الأسباب المؤدية لتراجع الليرة السورية، منها ما هو قديم نسبياً وآخر جديد، ويبرز من الأسباب الداخلية ارتفاع حدة الفساد في حكومة النظام، وما نتج عنه تدني المتحصلات الضريبية وتهريب الدولار الموجود إلى الخارج الأمر الذي أدى لزيادة الضغط على الليرة، كما أن غالبية السوريين بدأوا بتحويل مدخراتهم إلى الدولار خوفاً من انهيار الليرة مما زاد من عرض الليرة، وزاد من الطلب على الدولار وبالتالي شكل عامل ضغط مزدوج على الليرة.

و أما الأسباب الخارجية الأهم في انهيار الليرة، يتمثل في الأزمة الاقتصادية في لبنان، وهنا يدعي النظام السوري بتجميد مليارات الدولارات للسوريين في المصارف اللبنانية، والتي قدرها النظام بين 20 – 40 مليار دولار، والتي شكلت صدمة لاقتصاد النظام، وبالتالي انخفض عرض الدولار في اقتصاد النظام وارتفعت قيمته أمام الليرة.
اقرأ أيضاً: قيمة بدل خدمة العلم تموّل الأسد بمليارات الليرات


كما أن عقوبات "قانون قيصر" يُشكّل عاملاً ضاغطاً على الليرة السورية، فالعقوبات الأميركية أدت لحصار خانق لاقتصاد النظام، مما صعب من عملية إمداده بالموارد من قبل حلفائه، فالعقوبات المصرفية صعبت من إمكانية تنفيذ خطوط الائتمان بين النظام وحلفائه، كما صعبت العقوبات الجديدة من إمكانية مده بالموارد، وفق رأي السيد عمر.

كما أدت أزمة فيروس كورونا والإغلاق الاقتصادي لتراجع اقتصاد حلفاء النظام، مما أدى لتراجع الدعم المقدم له، لا سيما أن عملات إيران وروسيا ليست بأفضل أحوالها مما انعكس سلباً على الليرة السورية. 

حلول لمعالجة أزمة الليرة السورية

الباحث الاقتصادي، فراس شعبو، اعتبر بعدم إمكانية وجود حلول لتخفيف أزمة تدهور سعر صرف الليرة السورية، مضيفاً بالقول "نحن متجهين نحو المجهول، و لا أحد يمكنه التنبؤ أين يمكن أن يقف الدولار. إن ثبات رقم سعر الصرف لفترة معينة لا تعني أن القفزات الكبيرة في أسعار الدولار لن تكون حاضرة خلال الوقت المقبل، ولن يوقف هذه القفزات سوى تدخل دولي و هذا أمر غير ممكن الحدوث في الفترة الحالية". 

من جانبه رأى الخبير الاقتصادي، يحيى السيد عمر، أن علاج واقع الليرة لا يمكن أن يتم إلا وفق مسارين، الأول زيادة عرض الدولار في السوق السوري، وهذا الأمر خارج قدرة النظام ولا سيطرة له في هذا الأمر، والثاني يتمثل بتخفيض عرض الليرة في السوق، وهذا الأمر ممكن ولكن دونه عقبات عدة تجعل من تطبيقه بحاجة لأشهر طويلة.
قد يهمك: قلق أممي من سوء أوضاع الاقتصاد السوري 


و زاد بالقول أن "تخفيض عرض الليرة يمكن أن يتم بعدة وسائل، وأول ما يجب اتخاذه هنا إيقاف القروض فوراً، وهذا الأمر يمكن تطبيقه بسهولة، ويجب سحب جزء كبير من الليرة من السوق، والسحب يتم من خلال المصارف الحكومية والخاصة، وهذا الأمر يحتاج لوقت طويل نسبياً نظراً لتراجع دور المصارف وقلة الحركة المصرفية، فالأموال التي تدخل المصارف تعتبر في حدها الأدنى".

ويعيش غالبية السوريين اليوم تحت خط الفقر، وفق "الأمم المتحدة"، بينما تضاعفت أسعار السلع في أنحاء البلاد خلال العام الأخير. ويعاني 12,4 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وفق "برنامج الأغذية العالمي". 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق