اتفاقات أبراهام البحرينية-الإماراتية... هل تنقل التطبيع إلى دمشق؟

اتفاقات أبراهام البحرينية-الإماراتية... هل تنقل التطبيع إلى دمشق؟
سياسي | 16 سبتمبر 2020 | مالك الحافظ

تشي ردود الفعل السورية والعربية الرسمية كانت أم غير الرسمية منها والمتزامنة مع توقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات والبحرين من جهة، و حكومة الاحتلال الإسرائيلي من جهة ثانية، بكثير من المتغيرات التي ستشهدها المنطقة، قد يكون من أبرزها اتفاق سلام/تطبيع يقرب النظام السوري من تل أبيب، ولو بظروف مفاوضات مختلفة عن سابقاتها والتي كان آخرها قبل أشهر من قيام الثورة السورية. 


غابت عن مواقع التواصل الاجتماعي كما الساحات العربية مواقف الرفض والشجب المعروفة عن المنطقة العربية سكانها و حكامها إزاء الاتفاقات الأخير التي استضافت واشنطن التوقيع الرسمي عليها يوم أمس الثلاثاء و رعاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض حيث شهدت حديقته اتفاقيات تطبيع جديدة بين الإمارات والبحرين و "إسرائيل"، بعدما كانت شهدت توقيع ثلاث معاهدات "سلام" بين دول عربية و "إسرائيل" في العقود الأربعة الماضية.

و قد وقّع عن الجانبين الإماراتي والبحريني وزيرا خارجية البلدين، عبدالله بن زايد وعبد اللطيف الزياني، وعن الجانب الإسرائيلي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

تبدو دمشق أقرب إلى الانضمام لعقد المحور الإماراتي أكثر من أي وقت مضى، فالقاسم المشترك في العلاقات الخارجية مع المحيط في المنطقة لكل من دمشق و تل أبيب، أن كل من البحرين والإمارات اللتين بدأتا بالتطبيع مع "إسرائيل" كانتا أيضًا الدولتين الوحيدتين ممن أعاد علاقاته مع دمشق بشكل صريح ومباشر نهاية عام 2018، في صورة توحي بأن كلا الدولتين تشكلان رأس حربة المحور الذي تتزعمه السعودية في المنطقة و سترسمان شكلًا جديدًا للعلاقات في المنطقة يتناغم مع التوجه الأميركي التي كانت أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونالديزا رايس ووصفته بـ "الشرق الأوسط الجديد". 
 

قد يهمك: "حزب الله" بنسخة سورية وراء اغتيال قاسم سليماني!


لم تؤيد دمشق اتفاقات إبراهام بشكل رسمي، غير أنها غمزت بالموافقة على أي مشروع يطرح عليها وتوافق عليه بشكل مشترك كل من روسيا وأميركا، من قناة غير رسمية عبر مهدي دخل الله، وزير إعلامها السابق وعضو القيادة القطرية السابق لحزب البعث الحاكم في سوريا، حينما ظهر في مقابلة على قناة "الإخبارية السورية" الحكومية روج في جزء منها للتطبيع مع "تل أبيب" مبرراً أن هدف المقاومة انتهى.

وأضاف، إذا كان هناك توافق تعمل عليه روسيا وأمريكا ويعملون لأجله؛ فإن سوريا ترضى به لأن محور المقاومة يكون قد حقق أهدافه، وأكمل في مقابلته أن هذه ماهية العلاقات الدولية فلا يوجد أسود وأبيض باستمرار لتقاطعه المذيعة بأن هذا قد يكون بعيد؛ فيرد لا بل قريب.

استغلال النظام للحفاظ على السلطة؟

السياسي السوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي، د.برهان غليون، قال خلال حديث لـ "روزنة" أن التطبيع العملي بين النظام السوري وإسرائيل كان قائمًا قبل الثورة، وهذا الأمر الذي ضمن للنظام البقاء وغض نظر تل أبيب عن دعم إيران له وفق تعبيره. 

وأضاف غليون بأن "ما قام به بشار الأسد خلال السنوات الماضية لسحق الثورة وإحراق سوريا وإخراجها من أي مواجهة ممكنة مع أي طرف لربع قرن على الأقل أهم بكثير من الاعتراف الشكلي الرسمي، بل إن سياسة النظام السوري لا تستقيم إلا بالإعلان عن الممانعة وتطبيق عكسها". 

و رأى ألا حاجة للأسد من أجل إثبات أي حسن نوايا تجاه إسرائيل، حيث اعتبر أن الأسد قد قدم لها أضعاف ما كانت تحلم به ومنه الجولان وفلسطين والمستقبل السوري نفسه.

من جانبها لم تستبعد الأكاديمية والسياسية السورية، د.سميرة مبيّض، خلال حديث لـ "روزنة" أن يعمد النظام السوري "القائم على التسخير السياسي" وفق وصفها؛ بمحاولة استغلال هذه الاتفاقيات للحفاظ على موقعه في السلطة، متابعة بالقول أن النظام عمل على ذلك طيلة فترة تحكمه بسوريا، "حيث استخدم كل ما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي للتضييق الأمني والاقتصادي على الشعب السوري، تحت وطأة نظرية المؤامرة وتجميد الحريات من حرية التعبير والفكر والعمل السياسي، وقمع أي معارض له تحت بند التخوين والعمالة وإلى ما هنالك من شعارات و إدعاءات".

وتابعت بالقول "اليوم لن يتوانى النظام عن تغيير شعاراته نحو النقيض ليضمن البقاء بالسلطة، وهذا التغيير سيندرج ايضاً ضمن سلوكيات الكذب والادعاءات، بينما على أرض الواقع فإن النظام لن يكون إلا مصدر اضطراب مستمر في المنطقة بسبب بنيته الشمولية المرتكزة على الإرهاب والترهيب تجاه شعبه أو شعوب المنطقة، وهي بنية غير قابلة للإصلاح أو التعديل".


اقرأ أيضاً: استمرار ضرب النفوذ الإيراني في سوريا… ما علاقة الإمارات؟ 


و اعتبرت أن التدهور الكبير الحاصل في المنطقة اليوم؛ يرتبط بكيفية تناول قضية الصراع العربي الإسرائيلي خلال العقود الماضية، و بكيفية استخدامها من قبل نظم شمولية للبقاء في السلطة والتحكم بمصائر الشعوب. 

و أشارت إلى أن اتفاقات أبراهام قد تكون مدخلاً لإعادة قراءة شاملة لقضية الصراع العربي الإسرائيلي انطلاقاً من مرتكز أساسي هو تحقيق مصالح وسيادة الشعوب في المنطقة، وبمواكبة للتغيرات المجتمعية، السياسية والاقتصادية الحاصلة ضمنها؛ حيث لا يمكن عزل الأحداث التي يفرض المسار السليم أن تتكامل تدريجياً للوصول للاستقرار فيها، بحسب تعبيرها.

لا مبالاة عربية؟

وحول طبيعة التعاطي العربي غير المبالي مع اتفاقات التطبيع، وما إذا كان مردها إلى الأزمات الاقتصادية والسياسية في المنطقة خلال العقد الأخير، أم أن الخصم لدى سكان المنطقة لم يعد الإسرائيلي بقدر ما بات يشكل عليهم الإيراني خطراً أكبراً في أذهانهم، عزا غليون ذلك إلى اليأس الكامل من النظم القائمة والشعور بلا جدوى الاحتجاج. 

وأردف "يشعر الجمهور العربي أنه لا يستطيع أن يراهن على أي نظام، و أن التحالف الجديد هو استكمال للحرب التي يتعرض لها منذ بداية الربيع العربي والذي لم يفقد خلالها الثقة بحكوماته التي لم تبخل في إظهار عدائها له ولحقوقه وتطلعاته، وإنما بالنخب المعارضة التي أظهرت تهافتا كبيرا وانهيارا معنويا وسياسيا لم تصحو منه حتى الآن".

فيما أرجعت مبيض ذلك إلى عبورنا لمرحلة مختلفة عن العقود السابقة، وبعد انكشاف واسع لآلية استخدام ايديولوجية محور المقاومة والممانعة كغطاء لتدخل إيران في دول المنطقة. 

و زادت بالقول بأن ذلك التدخل تم "عبر ميليشيات مسلحة ونظم قمعية بمصائر الشعوب وتفقيرها وتهجيرها وبعد المجازر التي قامت بها تجاه المدنيين باتت ردود الأفعال تتواءم مع هذه الحقائق، على الأخص بعد عقد من انطلاق ثورات الربيع العربي وما سعت إليه من تحقيق أهداف تمس مباشرة بأولويات الحياة والكرامة الإنسانية والعدالة ومحاربة الفقر والكوارث البيئية والجائحات الوبائية والتي تتصدر بديهياً اهتمامات الشارع اليوم".


قد يهمك: قوات بديلة للنفوذ الإيراني في سوريا… أميركية أم روسية؟


 ونوهت بالمقابل إلى أن ذلك لا يعني بأن الشعوب تخلت عن حقوقها بل على العكس يبدو الحراك الشعبي اليوم أكثر قرباً و إدراكاً لهذه الحقوق ولمسببات فقدان السيادة.

و أردفت بأنها لا ترى "انفصالاً بين الحراك المدني ضد النظم القمعية، وضد التحكم الإيراني بمصائرها، وبين الحراك  لاستعادة الشعوب حقوقها بما يتعلق بكافة القضايا المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، فالمطالب واحدة هي تحقيق مصالح الشعوب وسيادتها، والتي تتطلب انتهاء حالة التغوّل على كافة الصعد وتتطلب إخماد أي نوازع عنصرية أو طائفية".

التأثير على سوريا؟

الكاتب والباحث السياسي، د.عبد القادر نعناع، اعتبر خلال حديث لـ "روزنة" أن "اتفاق إبراهام"،ورغم أنه يشكل متغيراً جديداً ودخيلاً في المشهد السوري، إلا أن في الوقت ذاته لم يراه متغيراً مفاجئاً، حيث سبقه سنوات طويلة من التنسيق بين الطرفين على أصعدة عدّة. وفق تعبيره. لافتاً إلى أن هذا الاتفاق يُعتبر نتاجاً لذاك التنسيق الذي بلغ ذروته العام الماضي، إبان انعقاد مؤتمر صفقة القرن في البحرين.

ورأى بأن "للاتفاق تأثيرات كبيرة ومتتالية في المشهد الإقليمي والفلسطيني، لكن تأثيره في المشهد السوري سيبقى دخيلاً وتابعاً لمتغيرات أكثر أهمية منه بكثير، وأولها أن سوريا تحت عدة احتلالات، جميعها باستثناء إيران، لها علاقات جيدة أو قوية أو متينة مع إسرائيل، عدا عن أن السياسة الخارجية السورية لم تعد سياسة ذات سيادة، بل هي خاضعة لتلك القوى وتحديداً روسيا وإيران".

و تابع مستدركاً أنه يضاف إلى ذلك "توجهات الولايات المتحدة، و (عقوبات) قانون قيصر، وانهيار شرعية النظام السوري بشكل كامل، واستمرار العمليات العسكرية، وفقدان السيادة على البلاد، وانهيار المنظومات الصحية والاقتصادية والتعليمية".
 

قد يهمك: حكومة إسرائيلية جديدة ترفع من مستوى المواجهة مع الأسد؟ 


يشار إلى أن الحكومات الإسرائيلية تقريبا قد أجرت خلال العقدين الماضيين؛ مفاوضات سرية مع دمشق في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام يشمل قضية الجولان، قبل أن تنتهي آخر جولة من هذه المفاوضات مع دمشق في آذار 2011. حتى في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي كان يصر العام الفائت على أنه لم يدرس إمكانية الانسحاب من الجولان، قد جرت مفاوضات مكثفة أعدّت خلالها خرائط ونماذج إلكترونية تمهيدا لخروج إسرائيل من المنطقة.

لكن بعد 2011، غيرت تل أبيب نهجها وبدأت تكثف جهودها من أجل نيل الاعتراف الدولي بسيادتها على الجولان، وخرجت هذه المساعي الخفية في البداية من الظل أكثر فأكثر.

ولا يمكن النفي كذلك بأن أقنية التواصل السورية الإسرائيلية فعلياً لم تتوقف، فتلك الأقنية كانت دائما مستمرة، إن كانت بشكل مباشر في بعض الأحيان أو عن طريق طرف ثالث وهو عادة الولايات المتحدة، ومؤخرا على ما يبدو أصبحت روسيا هي من تمثل هذا الطرف. 

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق