اتفاق "سلام" إماراتي-إسرائيلي… ما تأثيره على سوريا؟

اتفاق "سلام" إماراتي-إسرائيلي… ما تأثيره على سوريا؟
سياسي | 14 أغسطس 2020 | مالك الحافظ

يُفسح اتفاق السلام المزعوم بين حكومة أبو ظبي وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، المعلن عنه مساء أمس الخميس، المجال من جديد للتوقعات بعودة جلسات مفاوضات السلام مرة أخرى بين دمشق و "تل أبيب"، فالترجيحات تشير بأن هذا الأمر ممكن الحصول في الفترة المقبلة، بخاصة و أن التنسيق قد عاد بين أبو ظبي و دمشق إثر اتصال ولي عهد الإمارة مع بشار الأسد نهاية شهر آذار الماضي، إضافة إلى أنها كانت الدولة الخليجية الأولى التي أعادت فتح سفارتها في دمشق منذ نهاية العام 2018. 


لعل جلسات المفاوضات المرتقبة يعاد تكرارها خلال الفترة الحالية بعد أن توقفت منذ 9 سنوات، وإن كانت بصيغة مختلفة هذه المرة، تحت عنوان عريض يتصدره جذب دمشق إلى هذا المسار مقابل تقديم أوراق قوة للأخيرة، لن يكون أهمها فقط تثبيت دعائم النظام السوري برعاية إماراتية-إسرائيلية ومباركة روسية أميركية، والمقابل يكون بشكل رئيسي القضاء على النفوذ الإيراني في سوريا، وهو الحجة التي تذرعت بها الإمارات عندما أعادت فتح سفارتها بدمشق. 

مفاوضات السلام التي توقفت في آذار 2011 كانت تدور حول صيغة سلام تقضي بانسحاب إسرائيلي من هضبة الجولان السوري المحتل، غير أن هدف المفاوضات سيكون مغايراً بفعل الظروف التي تغيرت بعد "اعتراف مزعوم" من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإسرائيلية الجولان وتواجد نفوذ إيراني متغول في سوريا.


قد يهمك: نصيحة إسرائيلية لبشار الأسد بسبب النفوذ الإيراني… ما أهدافها؟


وأفادت تقارير صحافية يوم أمس الخميس، باتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومحمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، في اتصال هاتفي على مباشرة العلاقات الثنائية الكاملة بين "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة.

ووفق التقارير، فإنه من المفترض أن تجتمع من الإمارات و "إسرائيل" خلال الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاقيات ثنائية تتعلق بقطاعات الاستثمار والسياحة والرحلات الجوية المباشرة والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وإنشاء سفارات متبادلة وغيرها من المجالات ذات الفائدة المشتركة.

متغير جديد في الملف السوري؟ 

الكاتب والباحث السياسي، د.عبد القادر نعناع، اعتبر خلال حديث لـ "روزنة" أن اتفاق السلام الإماراتي-الإسرائيلي "اتفاق إبراهام"، يشكل متغيراً جديداً ودخيلاً في المشهد السوري، إلا أنه في الوقت ذاته لم يراه متغيراً مفاجئاً، حيث سبقه سنوات طويلة من التنسيق بين الطرفين على أصعدة عدّة. وفق تعبيره. لافتاً إلى أن هذا الاتفاق يُعتبر نتاجاً لذاك التنسيق الذي بلغ ذروته العام الماضي، إبان انعقاد مؤتمر صفقة القرن في البحرين.

ورأى بأن "للاتفاق تأثيرات كبيرة ومتتالية في المشهد الإقليمي والفلسطيني، لكن تأثيره في المشهد السوري سيبقى دخيلاً وتابعاً لمتغيرات أكثر أهمية منه بكثير، وأولها أن سوريا تحت عدة احتلالات، جميعها باستثناء إيران، لها علاقات جيدة أو قوية أو متينة مع إسرائيل، عدا عن أن السياسة الخارجية السورية لم تعد سياسة ذات سيادة، بل هي خاضعة لتلك القوى وتحديداً روسيا وإيران".

و تابع مستدركاً أنه يضاف إلى ذلك "توجهات الولايات المتحدة، و (عقوبات) قانون قيصر، وانهيار شرعية النظام السوري بشكل كامل، واستمرار العمليات العسكرية، وفقدان السيادة على البلاد، وانهيار المنظومات الصحية والاقتصادية والتعليمية".

و نوه نعناع بأن قضية "السلام" الإماراتي-الإسرائيلي، متغير غير ذي تأثير كبير على الملف السوري، بصرف النظر عن اشتغال الإمارات على محاولات استعادة شرعية النظام السوري، وإعادة تأهيله، رغم أن ذلك لا يعني أنه قادرة على فعل ذلك، فهي بالأساس دولة طرفية ذات تأثير محدود في المشهد السوري (على خلاف المشهد الليبي واليمني)، بحسب وصفه.


قد يهمك: "حزب الله" بنسخة سورية وراء اغتيال قاسم سليماني!


لقد أجرت كل الحكومات الإسرائيلية تقريبا خلال العقدين الماضيين؛ مفاوضات سرية مع دمشق في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام يشمل قضية الجولان، قبل أن تنتهي آخر جولة من هذه المفاوضات مع دمشق في آذار 2011. حتى في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي كان يصر العام الفائت على أنه لم يدرس إمكانية الانسحاب من الجولان، قد جرت مفاوضات مكثفة أعدّت خلالها خرائط ونماذج إلكترونية تمهيدا لخروج إسرائيل من المنطقة.

لكن بعد 2011، غيرت تل أبيب نهجها وبدأت تكثف جهودها من أجل نيل الاعتراف الدولي بسيادتها على الجولان، وخرجت هذه المساعي الخفية في البداية من الظل أكثر فأكثر.

ولا يمكن النفي كذلك بأن أقنية التواصل السورية الإسرائيلية فعلياً لم تتوقف، فتلك الأقنية كانت دائما مستمرة، إن كانت بشكل مباشر في بعض الأحيان أو عن طريق طرف ثالث وهو عادة الولايات المتحدة، ومؤخرا على ما يبدو أصبحت روسيا هي من تمثل هذا الطرف. 

إعادة صياغة السياسة في الشرق الأوسط

د.نعناع اعتبر في معرض حديثه لـ "روزنة" أن الاتفاق الأخير يأتي ضمن اتفاقيات وسياسات يجري الاشتغال عليها منذ فترة، ترمي إلى إعادة صياغة السياسة في الشرق الأوسط، سواء على مستوى التكتلات والمحاور، أو على مستوى الجغرافيا، أو حتى على مستوى الديموغرافيا، على حد قوله. 

و زاد بالقول "لذا هناك تأثير آخر من المفترض أن نكون معنيين به، هو أن هذا الاتفاق فاتحة اتفاقيات عديدة مع دول عربية في تالي الأشهر القريبة، وهو ما يتطلّب بيئة آمنة مستقرة لتمرير أي سياسات شرق أوسطية جديدة، أي أنّ هذا الاتفاق يستلزم إحداث تغيير في المشهد السوري لناحية تأمين مصالح إسرائيل وتأمين إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وحيث أن نظام الأسد فاقد للشرعية كلياً، في ظل تلك الاحتلالات، فإن هذه المتغيرات تفرض علينا أحد مسارين". 


قد يهمك: حكومة إسرائيلية جديدة ترفع من مستوى المواجهة مع الأسد؟ 


وأوضح أن المسار الأول يتمثل من خلال الاشتغال على إعادة شرعية النظام وتوطيد حكمه من جديد، وهو أمر استبعد حدوثه بحسب المعطيات الحالية، وذلك في ظل انهيارات متتالية، وفي استهداف أمريكي متصاعد. و تابع "أو الاشتغال على إعادة إنتاج النظام لاحقاً، وهو أمر بحاجة إلى توافق روسي-أمريكي، أو روسي-إسرائيلي".

وختم بالإشارة إلى إمكانية إضافة مجموعة أخرى من المتغيرات، "ذات التأثير الأكثر أهمية في المشهد السوري، منها ارتقاب المشهد اللبناني، وعدم استقرار المشهد العراقي، عدا عن اضطراب المشهد في شرق البحر المتوسط، وكلها معنية بالتأثير في المشهد السوري… يُشكل هذا الاتفاق، بداية انفكاك عربي رسمي نهائي عن القضية الفلسطينية، وتنازل نهائي عنها، وهو ما يعني أن تصبح إسرائيل جزءا مندمجا في محيطها -كما يتطلع لذلك أصحاب هذه السياسات- لكن لا نظن أن ذلك سيقود إلى سلام فلسطيني-إسرائيلي، بل ربما يشكل عامل ضغط جديد على الفلسطينيين يؤدي إلى انفجار في الداخل الفلسطيني، في ظل بيئات مشرقية متفجرة عموماً".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق