رسائل إيرانية بلسان الأسد في خطاب البرلمان الجديد!

رسائل إيرانية بلسان الأسد في خطاب البرلمان الجديد!
سياسي | 13 أغسطس 2020 | مالك الحافظ

بصياغة إعلامية ركيكة خلص إليها مشهد خطاب رئيس النظام السوري بشار الأسد، يوم أمس الأربعاء أمام أعضاء مجلس الشعب الجديد، معلناً عبره عن محددات المرحلة المقبلة التي يحاول فيها الأسد أن يرفع من مستوى شعبيته ضمن بيئته الحاضنة، وذلك بعد عجز حكومته عن مواجهة التدهور الاقتصادي المترافق مع الأزمة الحادة مع ابن خاله (رجل الأعمال المستحوذ على الاقتصاد) رامي مخلوف، إلى جانب مشكلات عديدة لا تنتهي كان آخرها مجابهة عقوبات "قانون قيصر" وارتفاع وتيرة القصف الإسرائيلي على سوريا بسبب الوجود الإيراني.


"إسرائيل" و "الأعداء"... الشعبوية أولاً!

على غير عادته في الخطابات الأخيرة، هاجم الأسد حكومة الاحتلال الإسرائيلي بموازاة مهاجمته للولايات المتحدة وضغوطها. يبدو أنه كان لا بد من التذكير بخطابات محور المقاومة والممانعة والعودة إلى اسطوانة الحلف الشعبوية، وتصوير أن سوء الأوضاع الحالية وتدهور كل مقومات الحياة لدى السوريين سببها أعداء تعرفهم شعارات المقاومة والممانعة، وكأن المتحدث الذي هاجم "إسرائيل" واعتبرها أصل الإرهاب ومنشأه، و بأن  فلسطين ما تزال القضية المركزية، هو قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني (صديق الأسد الحميم).

قد يهمك: بوتين على خطى الأسد… الرئاسة إلى الأبد؟

هذه الجزئية في خطاب الأسد بطبيعة الحال تنعش المحور المحلي والعربي "القومي" الذي ما زال يدعمه، وكذلك تزيد من نقاط شعبية "مؤقتة" لمصلحته، هو بأشد الحاجة لها؛ فالرسائل الأخرى التي أعلن عنها لا بد أنها تحتاج كل هذا الدعم الذي يحاول أن يحشده بتوجيه على ما يبدو من النظام الإيراني. 

حتى أنه اعتبر أن القصف الذي يطال الشرق السوري، وهو المنطقة التي تشهد تمركزاً إيرانياً واسعاً على الحدود مع العراق، أنه استهداف لضرب صمود نظامه،  وأنه يأتي "لتسهيل حركة إرهابيي داعش"، متناسياً الحديث عن الزمان والمكان المناسبين للرد على القصف الإسرائيلي.

العسكرة قبل السياسة 

منتهجاً الرغبة الإيرانية في استمرار التصعيد العسكري بالشمال السوري، وصف الأسد أنهم يواجهون "حربا طويلة زمنيا وواسعة جغرافيا"، وأن استمرار محاربة الإرهاب والتوقيت تحدده جاهزية قواته لخوض المعارك المخطط لها. فيما يبدو أنه رسالة إيرانية الصنع صوب روسيا التي عملت خلال الفترة الماضية لمنع أي تصعيد يؤدي إلى انهيار التوافقات مع تركيا، حيث أراد الأسد القول لموسكو بأن حاضنته الشعبية ستلتف حوله أكثر وتدرك أن مجابهة "الأعداء" هو على رأس قائمة الأولويات.

قد يهمك: عارض صحي يصيب بشار الأسد أثناء كلمة متلفزة… هل أصابه كورونا؟


 وأما المبادرات السياسية التي تدعمها موسكو وتدفع الأسد للانخراط الجدي بها (مثل اللجنة الدستورية)، قد حولتها كل من تركيا والولايات المتحدة إلى مجرد خزعبلات، وفق زعم الأسد.  إذاً فهي مناورة إيرانية جديدة تستهدف روسيا، للتصعيد من جديد في الشمال مقابل العودة إلى المسار السياسي ولو "بشكل مؤقت".

زراعة ومشاريع صغيرة بمواجهة "قيصر"

اعتبر الأسد خلال أغلب محاور خطابه بأن مواجهة عقوبات "قيصر" ستكون من خلال الاعتماد على تطوير القطاع الزراعي والذهاب نحو تعزيز الاهتمام بالزراعة عبر دعم المجتمعات الريفية مقابل تخفيف الضغط على المدن. 

وقد أشار إلى ضرورة "إعطاء مزايا تفضيلية للصناعات التي تخفف من الحاجة للاستيراد، وبشكل خاص التي تدعم الاقتصاد الزراعي فهو عماد الاقتصاد الوطني… إن دعم تصنيع وتسويق المنتجات الريفية يخلق استقرار أكبر للمجتمعات الريفية لتخفيف الضغط على المدينة". 

وبيّن الأسد بأن التوجه نحو الزراعة هو الأقدر لدعم الدورة الأكبر للاقتصاد، حيث يتمثل ذلك بخلق برامج عامة في الزراعة أو برامج قطاعية؛ لقطاعات معينة في الزراعة، وتابع بأن "دعم المحاصيل الريفية غير الاستراتيجية رغم أننا لا نحتاجها بشكل يومي، لكنها محاصيل منوعة وتسد الكثير من الحاجات الغذائية وتساعد في خلق فرص عمل". 

لكن الأسد لم يشر في معرض حديثه إلى أنه ورغم صحة مقترحه نظرياً، غير أن واقع الحال على الأرض يدحض كل ما ذكره، من حيث محدودية سيطرة قواته على المناطق الصالحة للزراعة وتهالك البنى التحتية الخاصة بتعزيز القطاع الزراعي. 
 
قد يهمك: إعادة إنتاج النظام السوري بصيغة روسية جديدة… ما موقف واشنطن؟

من الصعوبة بمكان في الحالة السورية، تطبيق القاعدة الرئيسية لنجاح الزراعة وهي "ننتج ما قمنا بتسويقه"، كون لا توجد سوق محلية ولا خارجية تستقبل ما يمكن أن يتم إنتاجه، نتيجة العقوبات الاقتصادية المتعددة على النظام السوري، وفق ما أفاد به المهندس الزراعي وائل باكير. 

وأضاف خلال حديثه لـ "روزنة" بأنه  "لو جزمنا أن بإمكاننا تسويق ما ننتج، فإنه   ليس هناك  موارد أو مدخلات زراعية كافية، فالزراعة تحتاج إلى بذور هجينة، مغذيات، أسمدة، مبيدات، أدوية بيطرية، معدات تصنيع، قطع تبديل، آلات زراعية وكلها تحتاج إلى عملة صعبة لاستيرادها أو الحصول عليها، لذلك لا يمكن للدولة أن تدعم هذا الأمر و خزينتها من العملة الصعبة شبه فارغة". 

وتابع "هناك أيضاً قانون قيصر الذي يفرض عقوبات على النظام السوري وعلى كل من يتعامل معه، ما  يزيد الأمر تعقيدا وبالتالي فإن المدخلات الزراعية ستكون ضيقة، وبالتالي فالمخرجات ستكون ضئيلة، و لن يكون هناك قدرة على تسويقها، وبالتالي قبل وجود حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة فإن كل الأفكار التي يطرحها الأسد غير مجدية، وهي ذر للرماد في العيون لا أكثر".

المساحات الزراعية التي يتكلم عنها الأسد، هي مساحات صغيرة جدا وبنيتها التحتية هشة وبحاجة إلى صيانة من قنوات الري والصرف، وصولا إلى استصلاح الأراضي الموبوءة بمخلفات الحرب ومناطق خطوط النار، فالمحاصيل الاستراتيجية تنتج خارج مناطق سيطرة الأسد، بحسب باكير، ولا يمكن له التحكم بها. 

و إلى جانب دعم الزراعة عمل الأسد في خطابه على إبراز نموذج دعم "المشاريع الصغيرة" في الاقتصاد، معتبراً بأن دعم  الاستثمار الصغير خلال الفترة المقبلة هو بوصلة حكومته في الاقتصاد على اعتبار أن المشاريع الصغيرة، تتسم بالمرونة والقدرة على تحمل الضغوطات، كما أن كلفتها أقل وتمويلها أسهل. 

وقال أيضاً "لدينا خطة اقتصادية غير تقليدية لأن ما يحصل في سوريا بعيد عن القواعد المالية، و تثبيت سعر العملة أو إعادته إلى الوضع الأفضل بحاجة إلى تعاون الجميع… النقطة الأهم في مواجهة التحديات الاقتصادية ناتجة عن دورة الاقتصاد والتي تخفف من التأثيرات السلبية لتراجع سعر الصرف، و الظرف الآن هو المناسب لزج الأموال من أجل تحسين الوضع المعيشي لخلق فرص العمل ودعم الليرة السورية". 


قد يهمك: معركة مقبلة في الشمال السوري… شرقه أم غربه؟


الباحث والمستشار الاقتصادي، يونس الكريم، استبعد أن تنهض المشاريع الصغيرة بالقطاع الأهم خلال الفترة المقبلة وهو البنى التحتية، مشيراً إلى أن الاستثمار بالبنى التحتية يحتاج حصرا إلى مؤسسات كبيرة اقتصاديا.

وتابع خلال حديثه لـ "روزنة":  "المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغيرة هي للنهوض بالمجتمعات المنهارة اقتصاديا، ولكن الاستثمار بالبنى يحتاج مؤسسات كبيرة، وهذا يهدف من وراءه الأسد لتمكين أمراء الحرب، وهو أيضاً وسيلة لإبقاء المجتمع كمتلقي دعم مالي من المنظمات الدولية، وكذلك هو وسيلة غير قابلة للتتبع بعمليات الفساد". 

وأضاف "هذا الأمر سيقوي الاسد لأن المؤسسات الصغيرة ستبقى تحت رحمة الحصول على الدعم المالي". 

كما أكد الأسد خلال كلمته يوم أمس، أن حكومته مستمرة في استرداد "الأموال العامة المنهوبة" بالطرق القانونية وعبر المؤسسات، في إشارة لابن خاله رامي مخلوف، وما يتعلق بقضية "سيريتل" وعدم دفع الشركة للمستحقات المطلوبة منها لصالح وزارة الاتصالات.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق